وكان الخطاط شرف الدين النابلسي ، المتوفى سنة 732 ه - 1331 م قد اتخذ تزوير الخط صناعة ، حتى صار يكتب على هوامش القصص « 1 » بما يريد ويحاكي خط كاتب السر إذ ذاك علاء الدين ابن الأثير . فيتوجه صاحب القصة إلى الدوادار ، فيدخل بها العلامة . فمشت بذلك حاله إلى أن عثر ابن الأثير عليه ، فرفعه للسلطان ، فأمر بحبسه سبع سنين ، إلى أن انفصل ابن الأثير فأفرج عنه « 2 » .
ويحكى عن محمد بن بكتوت الخطاط ، المتوفى سنة 735 ه - 1334 م ، أنه كان يضع المحبرة في يده الشمال ، والمجلد من الكشاف « 3 » على يده ويكتب وهو يغني ولا يغلط « 4 » .
ونكتفي هنا بهذا القدر . ولو تمادينا في إيراد ما اشتهر من الأخبار والنوادر عن الخطاطين في مختلف العصور ، لقام من ذلك ما يملأ مجلدا .
9 - قلم الغبار :
وهو الخط المتناهي في دقته . وبتعبير آخر ، أن يكتب الخطاط كلمات كثيرة على أشياء دقيقة كحبوب الحنطة والرز والفصوص وقشر البيض وغير ذلك . وهذا الضرب من الكتاب أتقنه غير واحد من الخطاطين الأقدمين . فقد ذكر ابن حجر العسقلاني وابن العماد الحنبلي ، أن إسماعيل الناسخ المعروف بالزمكحل ، المتوفى سنة 788 ه - 1386 م كان أعجوبة دهره في كتابة قلم الغبار مع أنه لا يطمس واوا ولا ميما ، ويكتب آية الكرسي « 5 » على أرزة وكذا سورة الإخلاص « 6 » . وكتب من المصاحف الحمائلية « 7 » ما لا يحصى ، وخطه غاية في الحسن مرغوب فيه « 8 » .
ونظيره في ذلك جواد بن أبي المكارم اللخمي ، المتوفى سنة 756 ه - 1355 م ،
هامش
( 1 ) القصص : ما يسمى اليوم بالعرائض .
( 2 ) الدرر الكامنة ( 3 : 208 - 209 ) .
( 3 ) يريد به تفسير الزمخشري .
( 4 ) الدرر الكامنة ( 3 : 396 ) .
( 5 ) كلماتها خمسون .
( 6 ) فيها تسع عشرة كلمة .
( 7 ) هي المصاحف الصغيرة الحجم التي تحمل في العضد .
( 8 ) الدرر الكامنة ( 1 : 385 ) ، وشذرات الذهب ( 6 : 301 ) .