إلى الجامع ، وصلّيت وابتهلت إلى مبدع الكل ، حتى فتح لي المنغلق ، وتيسّر المتعسّر .
اشتغاله بالقراءة والكتابة وسهره الليل :
وكنت أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي ، وأشتغل بالقراءة والكتابة . ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها ، حتى أن كثيرا من المسائل اتّضح لي وجوهها في المنام .
وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الامكان الإنساني . وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي . ثم عدلت إلى الإلهي .
قراءته لكتاب « ما بعد الطبيعة » :
وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة ، فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس عليّ غرض واضعه ، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا . وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به ، وأيست من نفسي وقلت : هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه . وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين ، وبيد دلال مجلد ينادي عليه .
فعرضه علي فرددته رد متبرم ، معتقدا أن لا فائدة من هذا العلم .
فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاث دراهم ، وصاحبه محتاج إلى ثمنه ، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي « 1 » في
هامش
( 1 ) أبو النصر محمد ولد في فاراب وتوفى في دمشق ( 873 - 950 ) من أعظم فلاسفة العرب حين أقام في بغداد وفي بلاط سيف الدولة بحلب . ولقب المعلم الثاني بعد أرسطو ، وينسبون إليه اختراع آلة القانون .