الجزء السادس
الكلمة الأولى
سيكون الفصل الأوّل من هذا الجزء السادس طويلا جدّا ، ذلك لأنّه سيعرض صورة العصر في الأندلس أيام بني نصر أو بني الأحمر ( 629 - 897 ه ) ثمّ في المغرب كلّه : في أيّام بني مرين في فاس ( 592 - 957 ه ) وبني زيّان في تلمسان ( 633 - 962 ه ) والدولة الوطّاسيّة في بادية الجزائر ( 633 - 961 ه ) والدولة الحفصيّة في تونس ( 625 - 982 ه ) ؛ وتلك حقبة تمتدّ أربعة قرون كوامل .
ولطول هذا العصر سببان رئيسان : طول ذلك العصر نفسه من حيث الزمن ثمّ الحاجة إلى شيء من التوسّع في السّعي لردّ التّهمة عن ذلك العصر بأنّه عصر انحطاط ، مع العلم بأنّ الحياة العمرانية والحياة الثقافيّة ثمّ الحياة السياسيّة نفسها - في المغرب خاصّة - كانت كلّها مزدهرة .
إنّ الضّعف السياسيّ في الأندلس ( في سلطنة غرناطة الضيّقة الرّقعة والخاضعة للنّفوذ النّصرانيّ ) قد أدّى - كما ينتظر في مثل هذه الحال - إلى ضعف في الأدب عامّة وفي الثقافة أيضا . غير أنّ هذه القاعدة العامّة قد خرقها في الأندلس ، وفي ذلك الحين ، نهضة عمرانيّة من البناء ومن الزّخرف لم يسبقها نهضة مثلها ولا لحقها نهضة مثلها . إنّ قصور الحمراء في غرناطة معالم من فنّ البناء وفنّ الزّخرف وعنوان لحضارة لم ترق إليها حضارة أخرى . ولهذه الآثار العربية في الأندلس ( إسبانية اليوم ) قيمة اقتصاديّة تقوم عليها حياة الإسبان ، أولئك الإسبان الذين كانت صدور كبرائهم قد ضاقت بالإسلام وبالمسلمين ، فقاتلوا المسلمين - بقيادة البابويّة - ثمّ أخرجوهم من ديارهم بوحشيّة لم يعرفها إلّا عصرنا الحاضر في فلسطين وفي غير فلسطين أيضا ، بالأمس القريب .
ليس من المعقول ، ولا من المألوف ، أن نصف بالانحطاط الفكريّ أو الانحطاط