كلّ ضلّة أفناهم العقاب سريعا وأهلكهم التأديب جميعا . وإنّما بقاؤهم في أن يسبل الموالي على هفواتهم ستر الإغضاء ويقرّبوا عليهم مدارك الإرضاء « 1 » . . . . .
- كتب أبو الربيع بن سالم الكلاعي إلى بحر بن صفوان بن إدريس ( سنة 587 ه ) عقب انفصاله ( خروجه ) من بلنسية :
أحنّ إلى نجد ومن حلّ في نجد ؛ * وما ذا الذي يغني حنيني أو يجدي « 2 » ؟
وقد أوطنوها وادعين ، وخلّفوا * محبّهم رهن الصبابة والوجد « 3 » .
تبيّن بالبين اشتياقي إليهم * ووجدي ، فساوى ما أجنّ الذي أبدي « 4 » .
وضاقت عليّ الأرض حتّى كأنّها * وشاح بخصر أو سوار على زند .
إلى اللّه أشكو ما ألاقي من الجوى ؛ * وبعض الذي لاقيته من ردي « 5 »
فيا ليت شعري ، هل تعود لنا المنى * وعيش كما نمنمت حاشيتي برد « 6 » .
- قال أبو الربيع الكلاعي لمّا بدأ شبابه يفارقه والشيب يخطّ شعره :
تولّت ليال للغواية جون * ووافى صباح للرّشاد مبين « 7 » :
ركاب شباب أزمعت عنك رحلة ، * وجيش مشيب جهّزته منون « 8 » .
ولا أكذب الرحمن في ما أجنّه ؛ * وكيف ؟ ولا يخفى عليه جنين « 9 » .
هامش
( 1 ) يسبل : يسدل ، يغطّي . الهفوة : الغلطة الصغيرة ( غير المقصودة ) . الإغضاء : إغماض العين عن تقصير الآخرين . المدارك : أسباب الوصول إلى .
( 2 ) أغنى ، كفى ، نفع . أجدى : نفع .
( 3 ) وادع : ساكن ، هادئ ، مطمئن . الصبابة : الشوق . الوجد : الحزن .
( 4 ) البين : الفراق ، البعاد . جنّ : كتم . أبدى : أظهر .
( 5 ) الجوى : اشتداد المرض من عشق أو حزن . أردى : أهلك .
( 6 ) البرد : الثوب من حرير . نمنم : طرز الثوب تطريزا ناعما ( صغير الزركشة ) .
( 7 ) تولّت : راحت ، ذهبت ، انقضت . الغوابة ( بفتح الغين ) : البطالة ، الضلال . جون : سود . وافى : وصل ، حلّ . صباح : ( شيب ، هرم ) . مبين : واضح ، ظاهر ، أبيض ( شيب أبيض ) .
( 8 ) الركاب : المطايا ، ما يركب للسفر أو للحرب . أزمع : نوى ، قصد . المنون : الموت .
( 9 ) أجنّه : أكتمه ، أخفيه . الجنين : المكتوم ، المخفيّ .