زرتها والغمام يجلد منها * زهرات تروق لون الراح « 1 » .
قلت : ما ذنبها ؟ فقال مجيبا : * سرقت حمرة الخدود الملاح !
فانظر كيف زاحم بهذا الاختيال المخترعين وكيف سابق بهذا اللفظ المبتدعين . . .
- ص 209 :
. . . . وقد أطلت عنان « 2 » النظم ، على أنّني اكتفيت من الاستدلال على النهار بالصباح . فباللّه ، إلّا ما أخبرتني : من شاعركم الذي تقابلون به شاعرا ممّن ذكرت ؟ لا أعرف لكم أشهر ذكرا وأضخم شعرا من أبي العبّاس الجراويّ . وأولى لكم « 3 » أن تجحدوا فخره وتنسوا ذكره . فقد كفاكم ما جرى من الفضيحة عليكم في قوله من قصيدة يمدح بها خليفة :
إذا كان أملاك الزمان أراقما ، * فإنّك فيهم - دائم الدهر - ثعبان « 4 » !
فما أقبح ما وقع ثعبان ، وما أضعف ما جاء دائم الدهر ! ولقد أنشدتّ أحد ظرفاء الأندلس هذا البيت فقال : لا ينكر هذا على مثل الجراوي . فسبحان من جعل نسبه وروحه وشعره تتناسب في الثقالة . . .
وأمّا غرناطة فإنّها دمشق بلاد الأندلس مسرح الأبصار ومطمح الأنفس ، لها القصبة المنيعة ذات الأسوار الشامخة « 5 » والمباني الرفيعة . . . . وزانها اللّه تعالى بأن جعلها مرتّبة على بسيطها « 6 » الممتدّ الذي تفرّعت فيه سبائك الأنهار بين زبرجد « 7 » الأشجار . . .
هامش
( 1 ) جلد : ضرب . يجلد زهرات ( يجعلها تتمايل ) . راق : أعجب . وفي القاموس ( 3 : 238 س ) راق عليه : زاد عليه فضلا . لون الراح ( الخمر ) : الحمرة .
( 2 ) العنان : الرسن . أطلت عنان النظم ( تكلمت كثيرا في الشعر والشعراء ) .
( 3 ) أولى لك : أليق بك ، خير لك .
( 4 ) الأرقم : حية خبيثة . الثعبان : حية ضخمة . دائم الدهر : دائما ، طوال ( بفتح الطاء ) الدهر .
( 5 ) القصبة : المدينة ( الرئيسة ) المنيعة ( المحصنة ) التي يمتنع على العدوّ اقتحامها . الشامخة : العالية .
( 6 ) البسيط : السهل ، الأرض المستوية .
( 7 ) سبيكة : قطعة مسبوكة . سبكا على شكل مستطيل ( من الفضة : كناية عن النهر بمائه الأبيض ) .
الزبرجد : حجر كريم أخضر اللون .