فإن قالوا : محلّ غلاء سعر * ومسقط ديمتي طعن وضرب ؛
فقل : هي جنّة حفّت رباها * بمكروهين من جوع وحرب .
- قال في الوقوف على أطلال الأحبّة :
يا صاحبيّ - وما البخيل بصاحبي - * هذي الديار ، فأين تلك الأدمع « 1 » ؟
أتمرّ بالعرصات لا تبكي بها ، * وهي المعاهد منهم والأربع « 2 » .
هيهات ! لا ريح اللّواعج بعدهم * رهو ، ولا طير الصّبابة وقّع « 3 » .
يا سعد ، ما هذا المقام وقد مضوا ؟ * أتقيم من بعد القلوب الأضلع « 4 » !
جاروا على قلبي بسحر جفونهم ؛ * لا زال يشعبه الأسى ويصدّع « 5 » .
وأبى الهوى إلّا الحلول بلعلع . * ويح المطايا ، أين منها لعلع « 6 » !
لم يدر أين ثووا فلم يسأل بهم * ريحا تهبّ ولا بريقا يلمع « 7 » .
وكأنّهم في كلّ مدرج ناسم ؛ * فعليه منهم رقّة تتضوّع « 8 »
فإذا منحتهم السلام تبادرت * تبليغه عنّي الرياح الأربع !
- وقال في فناء اللذّات إلّا قليلا منها :
وما بقيت من اللّذّات إلّا * محادثة الرجال على الشراب ،
ولثمك وجنتي قمر منير * يجول بخدّه ماء الشباب .
هامش
( 1 ) هذه ديار الأحبة ( ومن عادة الزائر أن يبكي إذا لم يجد أحبابه في ديارهم ) ، فأين الأدمع ( أدمعي أنا :
لماذا لا أبكي ) .
( 2 ) العرصة : الفسحة أمام الدار . المعهد والربع : المكان المعدّ للسكن .
( 3 ) اللاعج : النار المتوقّدة ( نار الحبّ في القلب ) . رهو : ساكن ، هادئ . الصبابة : الحبّ . وقّع جمع واقع :
موجود على غصن أو في وكره . - سيكون حزني بعد فراقهم شديدا ، ولن أتمتّع بحبي .
( 4 ) يا سعد ( الشاعر يخاطب رفيق سفره ) ، لماذا نظلّ واقفين وأهل الدار قد رحلوا ؟
( 5 ) شعب وصدع : شقّ . الأسى : الحزن .
( 6 ) الهوى : الحبّ ، المحبوب . لعلع اسم مكان ( يكني به الشاعر عن البعد ) .
( 7 ) ثوى : استقرّ ، أقام ، سكن .
( 8 ) مدرج ناسم : المكان الذي تهبّ عليه الريح فتترك عليه علامات من هبوبها . - كأنّهم يسكنون في كلّ مكان ، ففي كلّ مكان تجد رائحتهم الطيبة رقة ( كذا في المغرب 2 : 319 ) .