ولقد طرب لهما أدباء كثيرون وذيّلوهما ( زادوا عليهما مثلهما ) ولكن لم يبلغ أحد إلى حسن بنائهما ولا إلى خفّة روحهما . ولقد اتّفق لعبد الوهّاب القيسيّ أن يأتي بيتاه من لزوم ما لا يلزم بأربعة أحرف ( جاره ) ثمّ في مصراعي البيت الأوّل بخمسة أحرف ( ت جاره - تجاره ) . ويكثر لزوم ما لا يلزم في قوافيه واسجاعه .
3 -
مختارات من آثاره :
- قال عبد الوهّاب القيسيّ في الموت :
الموت حصّاد بلا منجل * يسطو على القاطن والمنجلي « 1 » .
لا يقبل العذر على حالة : * ما كان من مشكل أو من جلي « 2 » !
- وكتب إليه أبو الحجّاج بن الشيخ في شأن بيتيه « بإحدى هذه الخيمات جاره » ، فردّ عبد الوهّاب عليه برسالة منها :
إنّ خليلا لي من قضاعة * ذكّرني أيّامي المضاعه ،
إذ الهوى واللّهو لي بضاعه . * مهلا ! فذاك الدرّ قد أضاعه
خلّك لم يستدم ارتضاعه « 3 » .
أيّها الفاضل الحسيب ، إلى متى هذا التغزّل والنسيب ؟ ألم تنفد أيّام الجهل ؟ ألم يعد الفتى كالكهل ؟ أما ، واللّه ، لقد أحاطت بالرقاب السلاسل ، وآن أن يخاف من العقاب المتغزّل المراسل « 4 » . . . . ثمّ ما أنت وعهد ساكنات الخيام وان كانت من
هامش
( 1 ) القاطن : المستقرّ في بلده . المنجلي ( النازح عن وطنه ) .
( 2 ) كلمة « أو » زائدة في الوزن ( ويستقيم الوزن إذا حذفنا التنوين من « مشكل » ) . المشكل : الغامض .
الجلي : الواضح .
( 3 ) الدرّ ( بالفتح ) : حليب الأمّ . إذا توقّف الطفل عن الرضاع من أمّه فإنّ حليب الأمّ ينقطع .
( 4 ) أحاطت . . . : أصبح الإنسان مكرها على السلوك الحسن . وأصبح الغزل الصريح ( ذكر المحبوبة في الشعر ممنوعا ، يعاقب عليه المخالف . وكان عمر بن الخطّاب قد منع التغزّل الصريح . وقد نثر صاحب الترجمة ذلك من بيتين لأبي خراش الهذلي ( توفّي في خلافة عمر بن الخطّاب ، 13 - 23 ه ) . أمّا بيتا أبي خراش فهما ( حاشية للدكتور احسان عبّاس ، في الذيل والتكملة 5 : 171 ، ص 84 ) :وليس كعهد الدار ، يا أمّ مالك ؛ * ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل .
وعاد الفتى كالكهل : ليس بقائل * سوى العدل شيئا ، واستراح العواذل .