أقول وقد جدّ ارتحالي وغرّدت * حداتي ، وزمّت للفراق ركائبي « 1 » ،
وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي ، * وصارت هواء من فؤادي ترائبي « 2 » ،
ولم يبق إلّا وقفة يستحثّها * وداعي للأحباب لا للحبائب « 3 » :
رعى اللّه جيرانا بقرطبة العلا * وجاد رباها بالعهاد السّواكب « 4 » .
وحيّا زمانا بينهم قد ألفته * طليق المحيّا مستلان الجوانب « 5 » .
أإخواننا ، باللّه ، فيها تذكّروا * مودّة جار أو مودّة صاحب .
غدوت بهم من برّهم واحتفائهم * كأنّي في أهلي وبين أقاربي .
- كتب القاضي عياض إلى اثنين من إخوانه رسالة مثقلة بالصناعة وقد ملأها بأسماء النجوم ( كلّ اسم علم على نجم أو مجموع نجوم أتبعته بهذه العلامة : * ) - من « الخريدة » ( المغرب والأندلس 3 : 413 - 415 ) - وقد اخترت ألّا أحلّ ألفاظ هذه القطعة لكثرة ما فيها من الاستعارات :
قد وقفت - أعزّكما اللّه - على بدائعكما الغريبة ومنازعكما البعيدة ، ورأيت ترقّيكما من الزّهر إلى الزّهر ، وتنقّلكما إلى الدراري « 6 » بعد الدّرّ ، فأبحتما حمى
هامش
( 1 ) جدّ الرحيل : اجتهد الراحلون بالاستعداد له وأسرعوا . غرّد : غنّى . الحادي : الذي يسوق القافلة ويغنّي للمسافرين كيلا يملّوا من طول السفر ومشقّته . الركوبة : الدابّة المعدّة للركوب . زمّت ( بالبناء للمجهول ) ركائبي : أخذ ( بالبناء للمجهول ) بزمامها لتبدأ سيرها . ويجوز زمّت ( للمعلوم ) ركائبي : رفعت ركائبي رءوسها لتبدأ السير .
( 2 ) غمصت ( بالغين المعجمة والصاد المهملة ) : كثر فيها الغمص أو الرمص : ( القذى ) . في نفح الطيب ( 1 :
446 ) وفي الخريدة ( المغرب 3 : 503 ) والخريدة ( الأندلس 2 : 553 ) غمضت بالغين والضاد المعجمتين . وقد أشارت الخريدة ( المغرب 3 : 503 ، الحاشية 5 ) أنّ الكلمة في « قلائد العقيان » بالغين المعجمة والصاد المهملة . راجع « قلائد العقيان » ( ص 257 ) . الترائب : العظام في أعلى الصدر .
صارت هواء . . . ( تبخّرت عظام صدري من شدّة حرارة قلبي ؟ ) .
( 3 ) لم يبق من الوقت لبدء السفر غير وقفة قصيرة يستحثّها ( يستعجلها : يطلب تقصيرها ) . . . . الأحباب جمع حبيب ، والحبائب جمع حبيبة .
( 4 ) العهاد : المطر المعهود ( الذي يسقط متتاليا ) .
( 5 ) طليق ( يقصد : طلق ، بالفتح ) المحيّا ( الوجه ) : مسرور . استلان الرجل العيش : وجده ليّنا ناعما ، هنيئا . مستلان ( في القلائد : مستلين ) ( ؟ ) .
( 6 ) الزهر ( بالضمّ ) والدراري : النجوم .