ورجالا لم تفسح لإبداعهم مجالا . . . . فأظهرت ما خفي من فخارهم ودللت على مراتبهم في المعارف وأقدارهم . واستثبتّ في انتقاء من أثبتّ « 1 » ، وانتخبت ما جلبت وشنّفت « 2 » ما صنّفت ، حتّى أتى وكأنّ البدر في لبّته « 3 » ونسيم المسك من هبّته . . . . . ولم يزل شخص الأدب وهو متوار « 4 » ، وزنده غير وار وجدّه عاثر ومنهجه داثر « 5 » إلى أن أراد اللّه اعتلاء اسمه وإحياء رسمه وإنارة أفقه وإعادة رونقه ، فبعث من الأمير الأجلّ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف تاشفين « 6 » ملكا عليّا غدا للبّة المجد حليّا . . . . . . ولمّا أنارت ( به تلك ) الآفاق وعاد به كساد الفضل إلى النّفاق « 7 » ، رأيت أن أخدم مجلسه العالي بزفّ ( هذا الكتاب ) إليه . . . . فوسمته باسمه وكسوته نور رسمه . . . .
- ومن أسلوبه أيضا ( قلائد العقيان ، ص 154 - 155 ) - من ترجمة « الوزير الكاتب أبي محمّد بن سفيان رحمه اللّه تعالى » :
من بلغت همّته السماء وجلت أسرّته « 8 » الظلماء ، له الرتب المكينة وعليه الوقار والسكينة . أخدم يراعه العوالي « 9 » واستخدم الأحرار والموالي ، وأقام بدولة آل ذي النون وأقعد وتبوّأ سماكها « 10 » واقتعد . فسما به قدرها وهمى بسيبه قطرها « 11 » وحسّنت
هامش
( 1 ) واستثبت في انتقاء من أثبتّ : طلبت التثبّت ( الوثوق ) من الأشخاص الذين ضمنتهم كتابي . ( في رأبي ) .
( 2 ) الشنف ( بالفتح ) : القرط ( الذي يعلّق في الأذن ) : شنّفت الشيء : زيّنته ، حلّيته .
( 3 ) اللبة : أعلى الصدر .
( 4 ) متوار : محتجب ، مختف . زنده ( الحديدة التي تقدح بها النار من حجر الصوّان ) غير وار ( لا يشعل شيئا ) - لا نتاج أدبيّا فيه .
( 5 ) دائر : ممحوّ .
( 6 ) هو ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك ( والي ) شرقيّ الأندلس ؛ وكان أديبا .
( 7 ) النفاق ( بالفتح ) : الرواج ( ضدّ الكساد ) .
( 8 ) الأسرّة ( هنا ) خطوط الوجه ( ملامحه ) .
( 9 ) اليراع : القلم . العوالي ( جمع عالية : صدر الرمح ، القسم الأعلى منه ) : الرماح . ( جعل الرماح ( الحرب ) خدما ( تطيع ) قلمه ( أوامره ) ( ؟ ) .
( 10 ) السماك برج ( مجموع نجوم ) .
( 11 ) همى ( انهلّ ، سقط ) بسيبه ( بعطائه ) قطرها ( مطرها ) : كلّ الخير منه .