الملكة . وله الفخريّات التي لا تعارض والأسريّات التي لا تناهض .
وأمّا المتنبّي فقد شغلت به الألسن وسهرت في أشعاره الأعين . وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره والمفتّش في قعره عن جمانه ودرّه . وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف . وله شيعة تغلو في مدحه ، وعليه خوارج تتغايا في جرحه . والذي أقول إنّ له حسنات وسيّئات ، وحسناته أكثر عددا وأقوى مددا .
وغرائبه طائرة وأمثاله سائرة ، وعلمه فسيح وميزه صحيح . يروم فيقدر ، ويدري ما يورد ويصدر .
. . . وأمّا ابن درّاج الأندلسيّ القسطلّي فشاعر ماهر عالم بما يقول ، تشهد له العقول بأنّه المؤخّر بالعصر المتقدّم في الشّعر . حاذق بوضع الكلام في مواضعه ، لا سيّما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة . وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد زمانه وأقربه . . .
- وقال أبو عبد اللّه بن شرف يصف أهل القيروان وقد جلوا عن القيروان بعد أن هاجمها العرب ( البدو ) وخرّبوها :
ترحّل عنها قاطنوها ، فلا ترى * سوى سائر أو قاطن وهو سائر « 1 » .
تكشّفت الأستار عنهم ، وربّما * أقيمت ستور دونهم وستائر « 2 » .
تبيت على فرش الحصى ، وغطاؤها * دوارس أسمال زوار حقائر « 3 » .
فيا ليت شعر القيروان مواطني ، * أعائدة فيها الليالي القصائر ! « 4 » ؟
ويا روحتي بالقيروان وبكرتي ، * أراجعة روحاتها والبواكر ؟
كأن لم تكن أيّامنا فيك طلقة * وأوجه أيّام السرور سوافر « 5 » .
هامش
( 1 ) القاطن : الساكن في البلد أو المنزل . وهو سائر ( راحل . مهاجر ) .
( 2 ) انكشف عنه ستر ( اللّه ) : افتضح بين الناس وظهرت معائبه إلخ أقيمت ستور دونهم ( كناية عن حفظ كرامتهم ) وستائر ( كناية عن احتجابهم عن العامة لعلو منزلتهم ) .
( 3 ) فرش ( بضم فضم - وهنا بضم فسكون لضرورة الشعر ) . الحصى : صغار الحجار . السمل ( بفتح ففتح ) :
الثوب البالي المتهرى . الدارس ( الممحوّ ) : القديم المتهرى . زوار جمع زارية ( ؟ ) : تكسب صاحبها عيبا ( ؟ ) .
( 4 ) المواطن جمع موطن . قصائر جمع قصيرة .
( 5 ) الوجه الطلق : البشوش ، الضاحك ، الفرح . والوجه السافر : المشرق ، المضيء .