المطرّف « * » بن مثنّى ( الذخيرة 3 : 410 ) جاء فيها :
أطال اللّه بقاء سيّدي وجعل درج المعالي مستقرّة تحت قدمه وسرج المساعي مسفرة عن بوارق هممه « 1 » ، وظامئات الأمانيّ رويّة من لعاب سنّ قلمه « 2 » ، وعذبات الإقبال منوطة بألوية عزائمه وآرائه « 3 » . . . وكنت مررت ببلاد شموس الفضائل في آفاقها مكسوفة ، وعيون العلم والآداب في عرصاتها مطروفة « 4 » ، وستائر الأحرار بين أهلها مهتوكة مكشوفة « 5 » . . . نبعت بين أهلها عيون الخيانة والبهتان « 6 » ، وضعف حبل الديانة فيهم والإيمان . . . فأبدلهم اللّه من النور في أحوالهم ظلاما ، وبالحلال في مكاسبهم حراما . وخصّ أسعارهم بالغلاء وجمعهم بالفناء ولفيفهم بالتشتّت والجلاء « 7 » . وللخراب ما يعمرون « 8 » ، وللقتل ما يلدون وللنهب ما يجمعون ولغيرهم ما يكسبون .
« وَحاقَ
« 9 »
بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »
( 39 : 48 سورة الزمر ) ،
« وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى
« 10 »
وَهِيَ ظالِمَةٌ ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ »
( 11 :
102 ، سورة هود ) . . . وأكبرت أن أفارق بلد الأندلس ، وقد أظهر اللّه فيه إحدى آياته الدالّة على عظم معجزاته ، الناطقة بصحّة براهينه وبيّناته ، بسيّدنا المأمون بن ذي النون أطال اللّه بقاء سلطانه ، وقوّى دعائم ملكه وأركانه . . .
هامش
( * ) هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن أحمد بن صبغون المعروف بابن مثنّى من أهل قرطبة وسكن بلنسية .
وقد استوزره المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة ( 427 - 463 ه ) عدّة سنين . « انتفع الناس به في أثناء وزارته لحسن دينه وسلامة باطنه وظاهره ولتفكيره الهادئ » . وكانت وفاته في بلنسية سنة 458 ( 1066 م ) .
( 1 ) السراج : القنديل . مسفرة : منكشفة .
( 2 ) من لعاب : ريق ( هنا : حبر ) سنّ قلمه ( الطرف الذي يكتب به من القلم ) .
( 3 ) العذبة ( بفتح ففتح ) : طرف الشيء ( زائدة تتدلّى عادة من طرف العمامة - بكسر العين ) . منوطة :
معلّقة .
( 4 ) مكسوفة : مغطّاة ( قد حجب نورها ) . العرصة ( بفتح ففتح ) : الباحة أمام الدار .
( 5 ) مهتوكة ممزّقة . مكشوفة : مزاحة ( كناية عن جرأة الناس على من كانت مسدولة عليه : ساترة له ) .
( 6 ) البهتان : الافتراء ( اتّهام الناس بما ليس فيهم ) .
( 7 ) الجلاء ( الخروج من الوطن ) .
( 8 ) عمر الناس المكان ( سكنوا فيه ) .
( 9 ) حاق : أحاط .
( 10 ) الأخذ : العقاب ، القصاص . القرية : المدينة .