لقد شطّ روض إليه أحنّ ، * وغارت مياه إليها أهيم « 1 » ،
ليالي إذ لا حبيب يصدّ ، * وعهدي إذ لا عذول يلوم ؛
وخمري من الدّرّ مسك مذاب ، * وروضي من السّحر دلّ رخيم « 2 » ؛
وغصن شباب علاه المشيب * كغضّ رياض علاها الهشيم « 3 » .
فيا عجبا لصروف الزمان * شهودا لنا وهي فينا خصوم « 4 » !
فكيف قضى حكم هذا القضاء * عليّ لدهري وهو الظلوم « 5 » ؟
فنحن ديون النوى ، كلّ يوم * على حكمه يقتضينا الغريم « 6 » !
جسوم تطير بهنّ القلوب * بأجنحة ريشهنّ الهموم « 7 »
بكلّ هجير لو النار تصلى * جحيما لأصبح وهو الجحيم « 8 » !
وفي كلّ بحر - كما قيل - خلق * صغير يهاويه خلق عظيم « 9 » ؛
هامش
( 1 ) شط : ابتعد . غار الماء : ذهب في الأرض وضاع . هام : أحبّ امرأة . هام بالمرأة : حنّ ( بفتح الحاء ) اشتاق . أهيم إليه ( ليست في القاموس ) : اشتاق إليه .
( 2 ) خمري ( الخمر التي أشربها وأسكر بها ) من الدرّ ( اللؤلؤ من الأسنان ، أسنان المحبوب : من فمه ) . مسك مذاب : ريق المحبوب . في الديوان ( ص 271 ) : وروضي من السحر ( بكسر السين ) ؛ وأرجّح أنا القراءة : وروحي ( بفتح الراء : الراحة والانتعاش ) من السحر ( بفتح السين : الصدر ! ) . الدلّ :
الدلال ، الجرأة على الزوج بتغنّج . الرخيم : ( الكلام ) اللّين العذب .
( 3 ) ليس الشباب جميلا مع الشيب أو مع الشعر الأبيض ، كما أن الروض الناضر لا يكون جميلا إذا كان فيه عشب يابس .
( 4 ) من العجيب أن أحداث الدهر سالمتنا ( في الماضي ) مع أنّها ( في الأصل والعادة ) عدوّ لنا .
( 5 ) وكيف أعانني القضاء على دهري ( ووهبني سعادة ) ، مع أن القضاء في العادة ظلوم ( يظلم : يسلب الناس ما هو حقّ لهم ) ؟
( 6 ) نحن البشر ديون للدهر في هذه الحياة . وفي كلّ يوم يطلب الغريم ( صاحب الدين ، أي الدهر ) دينه ممّن يريد : بالإفقار ، بالمصائب ، بالموت ، الخ .
( 7 ) إنّ القلوب تتمنّى أمنيات عسيرة التحقيق ثمّ تحمل الأجسام على تحقيق هذه الأمنيات فتلقى الأجسام من جرّاء ذلك تعبا شديدا .
( 8 ) يسعى الإنسان إلى أن يحقّق رغباته في أحوال قاسية : في هجير ( حر نصف النهار ) ولو أن هنالك شيئا أشدّ حرّا من النار ( من الجحيم : جهنّم ) لكان هو ذلك الهجير .
( 9 ) وفي كلّ بحر عظيم يخوض فيه ذلك الإنسان الصغير . يهاويه ليست في القاموس . والأقرب أن يكون -