خليليّ في بغداد ، هل أنتما ليا * على العهد مثلي أم غدا العهد باليا ؟
وهل أنا مذكور بخير لديكما * إذا ما جرى ذكر لمن كان نائيا « 1 » !
كتابي عن شوق شديد إليكما * كأنّ على الأحشاء منه مكاويا .
فلا تيأسا أن يجمع اللّه بيننا * كأحسن ما كنّا عليه تصافيا ؛
فقد يجمع اللّه الشتيتين بعد ما * يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا « 2 » !
وخبّرتماني أن تيماء منزل * لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا « 3 » ؛
فهذي شهور الصيف عنّا قد انقضت ؛ * فما للنّوى ترمي بليلى المراميا « 4 » ؟
فدى لك ، يا بغداد ، كلّ مدينة * من الأرض حتّى خطّتيّ وداريا « 5 » .
فقد سرت في شرق البلاد وغربها * وطوّفت خيلي بينها وركابيا ،
فلم أر فيها مثل بغداد منزلا ، * ولم أر فيها مثل دجلة واديا « 6 » ،
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلا * وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا « 7 » .
وكم قائل : « لو كان ودّك صادقا * لبغداد لم ترحل » . وكان جوابيا :
« يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ، * وترمي النّوى بالمقترين المراميا « 8 » » .
4 * * فوات الوفيات 2 : 91 - 92 ؛ اعلام الزركلي 5 : 145 .
أبو الحسن التهامي
1 - هو أبو الحسن عليّ بن محمّد بن نهد التهاميّ من مكّة أو من جوارها ،
كان في أوّل أمره من السوقة ثم رحل إلى الشام واتّصل ببني الجرّاح شيوخ بني طيّ المستبدّين بحكم الرملة وعسقلان ( فلسطين ) فأخذ بمدحهم وطال مكثه عندهم .
هامش
( 1 ) النائي : البعيد .
( 2 ) الشتيتان : المفترقان .
( 3 ) تيماء : واحة قرب المدينة ، وهي هنا رمز وليست للدلالة على بلد معين . ألقى المراسي : استقر ، ثبت ( اشتد حره ) .
( 4 ) النوى : البعاد . المرامي : الأماكن البعيدة .
( 5 ) الخطة ( بكسر الخاء ) : القطعة من الأرض .
( 6 ) دجلة : نهر تقوم عليه بغداد . الوادي : النهر .
( 7 ) الشمائل جمع شمال ( بكسر الشين ) : الخلق ، الخصلة ، العادة .
( 8 ) الموسر : الغني . النوى : البعاد . المقتر : الفقير .