إلا واتّسعت له رحابها « 1 » ، ولا تأمّل مشكلة إلا وتبيّنت له أسبابها .
وكنت ممّن عدل في مباديه على الإلمام بناديه وجعل صناعة الكتابة فننه الذي يستظلّ بوارفه وفنّه الذي جمع له فيه بين طريفه وتالده « 2 » . فعرفت جليّها وكشفت خفيّها . . . . واسترفعت القوانين ووضعت الموازين وعاينت المقترحات واعتمدت على المقايسات . . . . وأتقنت موادّ هذه الصناعة وتاجرت فيها بأنفس بضاعة .
ثم نبذتها وراء ظهري وعزمت على تركها في سرّي دون جهري « 3 » . وسألت اللّه تعالى الغنية عنها وتضرعت إليه في ما هو خير منها . ورغبت في صناعة الآداب وتعلقت بأهدابها « 4 » وانتظمت في سلك أربابها . فرأيت غرضي لا يتمّ إلّا بتلقّيها من أفواه الفضلاء شفاها ، وموردي لا يصفو ما لم أجرّد العزم سفاها « 5 » .
فامتطيت جواد المطالعة وركضت في ميدان المراجعة . وحيث « 6 » ذلّ لي مركبها وصفا لي مشربها آثرت ان أجرد منها كتابا أستأنس به وأرجع إليه وأعوّل في ما يعرض لي من المهمّات عليه . فاستخرت اللّه سبحانه وتعالى وأثبتّ منها خمسة فنون حسنة الترتيب بيّنة التقسيم والتبويب ، كلّ فنّ منها يحتوي على خمسة أقسام : ( هي ) الفن الأول في الآثار العلوية « 7 » . . . . - الفن الثاني في الإنسان وما يتعلّق به . . . . . - الفن الثالث في الحيوان الصامت . . . . . - الفن .
الرابع في النبات . . . . . - الفن الخامس في التاريخ . . . . .
ولما انتهت أبوابه وفصوله وانحصرت جملته وتفصيله ترجمته « 8 » « بنهاية
هامش
( 1 ) ورد المشرع : ذهب إلى مكان الماء ليستقي ( المشارع جمع مشرعة : مكان استقاء الماء ) . الشرائع جمع شريعة : المشرعة . الرحاب جمع رحبة ( بفتح الراء ) : الأرض الواسعة .
( 2 ) عدل ( مال ) في مباديه ( مبادئه : أول أمره ) على الالمام بناديه : بمجتمعه ، بمكانه ( الأخذ بفن الكتابة ) . الفنن ( الغصن ) الوارف ( الممتد الظل ) الطريف ( المكتسب حديثا ) التالد ( الموروث من زمن قديم ) .
( 3 ) نبذتها وراء ظهري ( أهملتها ، رفضتها ، تركتها ) في سري دون جهري ( أضمرت تركها ولم أعلنه ) .
( 4 ) الغنية : الاستغناء . تعلق بأهدابها ( أطراف ثيابها ) : تمسك بها وأصر على العمل بها .
( 5 ) شفاها : مشافهة ( الأخذ بالرواية والسماع ) . سفاها : شرب الماء بكثرة . المورد : مكان الماء .
( 6 ) حيث ( كذا في الأصل ) أقرأ : حين .
( 7 ) الآثار العلوية في الأصل : أحوال الجو والمناخ ، وقد وسع النويري الكلام في هذا الفن ( الفصل ) فتكلم على الفلك والجغرافية والآثار العمرانية وأمور الخلق . ففي هذا الفن الأول من كتاب « نهاية الأرب » : خلق السماوات والملائكة - الكواكب - السحاب - الصواعق - الشهور والفصول - الأعياد - الأرض ( خلقها ) - الجبال - خصائص البلاد - المباني القديمة . . . الخ .
( 8 ) ترجمته : سميته ( جعلت اسمه مبينا لما فيه من الموضوعات ) .