بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء . فأما أبو تمام فإنه ربّ معان وصيقل ألباب . فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب « 1 » . وأما أبو عبادة البحتريّ فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر فغنّى .
ولقد حاز طرفي الرقّة والجزالة على الإطلاق . . وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصّرت به خطاه . . . لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال واختصّ في الإبداع في وصف القتال . . . وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها ، وقامت أقواله للمسامع مقام أفعالها حتى تظنّ الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا . . . ولا شكّ ( في ) أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة بن حمدان فيصف لسانه ما أدّى إليه عيانه .
- كتاب كتبه إلى بعض الاخوان وضمّنه ذكر الشمعة :
كتب الخادم « 2 » هذا الكتاب ليلا وخاطره يغنيه عن الاستضاءة بمصباح ، ويكاد يمثّل له سواد الظلمة ببياض الصباح . غير أنه كان بين يديه شمعة وضعت للعادة المعتادة لا للحاجة المرادة . وسنذكر من أوصاف صورتها ما للبيان سبح « 3 » طويل في ذكره ، ولربّما كان هنالك معنى غريب فينبّه على فحوى سرّه . وذلك أن لها قدّا ألفيّ القوام « 4 » مشبّها في نحوله واصفراره بحال المستهام « 5 » ، وهي والقلم سيّان في أنهما إذا قطع رأسهما صحّا بعد السّقام « 6 » . . . . .
وكانت الريح تتلعّب بلهبها لدى الخادم فتشكّله أشكالا : فتارة تبرزه نجما ، وتارة تبرزه هلالا . ولربّما مثّلته طورا بالجلّنارة « 7 » في تضاعيف أوراقها ، وطورا بالأنامل في اجتماعها وافتراقها ؛ وآونة تأخذه فتلفّه على رأسها
هامش
( 1 ) الاضراب جمع ضرب ( بالفتح ) : المثل والند ( بالكسر فيهما ) .
( 2 ) الخادم : ( هنا ) المعترف بالجميل ؛ رجل في منصب في الدولة .
( 3 ) السبح : الفراغ ( المعجم الوسيط 414 ) ، المجال .
( 4 ) مستقيم مثل الألف ( أول حروف الهجاء ) .
( 5 ) المستهام : المحب الذي بلغ به الحب حد الهيام ( بضم الهاء : الجنون ) .
( 6 ) إذا احترق جزء كبير من فتيلة الشمعة بالإضاءة قطع فيزيد ضوء الشمعة ( لأن القسم المحترق من الفتيل ييبس فلا يمر فيه الزيت بسهولة ) . وكذلك إذا تشعث القلم ( المتخذ من القصب ) بالكتابة قطع شيء من رأسه فاستقام وثبت فتتحسن به الكتابة .
( 7 ) الجلنارة : زهرة الرمان ، وهي شديدة الحمرة .