ومن صفاته انه كان معتدل القامة ، وجهه جميل حسن مشرّب بحسرة ظاهرة . وكان إذا تواجد وغلبت عليه الحال ازداد جمالا ونورا وتحدر العرق من جسده . وتوفي ابن الفارض بالقاهرة في ثاني جمادى الأولى من سنة 632 ه ( 23 / 12 / 1235 م ) .
2 - كان ابن الفارض في غالب أوقاته دهشا شاخص البصر لا يسمع من يكلّمه ولا يراه . وقد يكون - وهو على هذه الحال - واقفا أو قاعدا أو مضطجعا أو مستلقيا كالميت لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلّم ولا يتحرّك . وربما مرّ عليه في هذه الحال أيام ، قيل كانت تبلغ أربعين يوما أحيانا . وبقي مرة واحدة خمسين يوما صائما .
اما الشعر فكان ينظمه في أثناء تلك الغيبات : يفيق في أثناء غيبته مرة بعد مرة فيملي ثلاثين بيتا أو أربعين أو خمسين مرة واحدة .
ديوان ابن الفارض صغير الحجم ومقصور على الشعر الصوفي : في الحبّ والخمر . وفيه معظم تعابير الصوفية ، وخصوصا في التائية الكبرى التي تبلغ سبعمائة وستين بيتا . وابن الفارض هو الشاعر الصوفي الثاني بعد جلال الدين الروميّ ( ت 672 ه ) .
ومع أن شعر ابن الفارض ينوء بضعف كثير من التكرار والغموض والتخلخل ، ومن الإسراف في الصناعة المعنوية والصناعة اللفظية ، فإنه شعر عذب أنيق في أكثر الأحيان . والرمز فيه غاية في البراعة وحسن الإشارة .
وتدور أغراض ابن الفارض على الحبّ الإلهي الذي يقوم على الاتّحاد ، أي الاعتقاد بأنّ جميع مظاهر الوجود متساوية في الشرف والقيمة لأنها في الحقيقة تمثّل جوانب من الألوهية : إن البحر والجبل والإنسان والطير والمسجد والكنيسة وبيت الأصنام والنار كلّها تمثّل الألوهية في جانب دون جانب . فشارب الخمر في الحانة والمتعبّد في بيت عبادته يفعلان فعلا واحدا يمثّل حقيقة واحدة في مظهرين مختلفين .
واللّه يتبدّى لكلّ محبّ في محبوبه : فان مجنون ليلى قد أحبّ اللّه في صورة ليلى ، كما أن ليلى قد أحبّت اللّه في صورة قيس . وبما أن قيسا لم يحبّ الا اللّه لمّا أحبّ ليلى ، وكما أن ليلى لم تحب إلا اللّه لما أحبّت قيسا ، فإن قيسا قد أحبّ في الحقيقة نفسه . . . . .
تاريخ الأدب العربي — صفحة 521
مساهمون: عمر فروخ
ص٥٢١