من أصفيائه ، وقد أشعلت له الشموع واتّقدت بأشعّتها الربوع ونصبت ستائر القيان « 1 » واصطفّت صفوف الحور والولدان وأفرغت شموس الخندريس في أفلاك الكؤوس . . . « 2 »
وينقضي ليلهم في لهو وطرب وجدّ ولعب ، وهزج ورمل « 3 » واعتناق وقبل ، وأحاديث كقطع الرياض ، ومحادثات كبلوغ الأغراض ، حتّى يخرج الليل من إهابه ويعرّج على ذهابه ويسفر الصباح « 4 » . . . .
فقال النسر : إنّك سقيتني بحديثك أسكر شراب وفتحت لي بأخبارك أغرب باب . كيف السبيل إلى المبيت لتعلّم هذه النغم الشهيّة ؟ . . فقال البلبل :
بالجدّ والاجتهاد تدرك المراد . . . وما حصّلت الأماني بالتواني ، ولا ظفر بالأمل من استوطأ فراش الكسل « 5 » . . . . فإذا تقوّست قامة النهار وجعلت رجل الشمس في قيد الاصفرار « 6 » ، وولّت مواكب النور لقدوم سلطان الديجور ، وأنارت روضة السماء بزهر الكواكب « 7 » وطلعت الشهب من كلّ أفق وجانب ، فأت إلى هذا المكان عسى أن تسعدك بمطلوبك عناية الزمان ، واختف عن رامق « 8 » يراك فانّه أعون على مبتغاك . . .
فلمّا سمع النسر هذا المقال ودّعه وطار . وقال : لعلّ في الانتظار بلوغ الأوطار . وأثبت في نفسه الرجوع وقال « 9 » : أمنع عيني هذه الليلة لذة الهجوع . . . . ثمّ سقط على بعض الأشجار متوخّيا بزعمه مضيّ النهار . وأدركه
هامش
( 1 ) ستائر القيان : ستائر تنصب حتى يغيي القيان من ورائها ( حتى لا يشتغل النظر بما يفوّت على الأذن لذة السماع ) .
( 2 ) الخندريس : الخمر . أفلاك الكؤوس : كئوس الخمر التي تدور على الحاضرين كما تدور الكواكب في أفلاكها .
( 3 ) الهزج الرمل من أنواع الغناء .
( 4 ) الإهاب : الجلد : خرج الليل من اهابه : خلع عنه السواد ( اقترب النهار ) . أسفر الصباح : كشف عن جهة ، طلع .
( 5 ) استوطأ الفراش : وجده وطيا ( مريحا ) . استوطأ فراش الكسل : لذ له الكسل .
( 6 ) تقوست قامة النهار : انحنت قامته ( كناية عن أن النهار أصبح شيخا ، صار في آخره ) .
( 7 ) الديجور : الظلام . نارت وأنارت ، ضاءت . زهر الكواكب : الشديدة اللمعان .
( 8 ) الرامق : الناظر .
( 9 ) أثبت في نفسه الرجوع : عزم على الرجوع .