المنطق يقضي بأن نجعل الثوب مفعولا به ( برغم علامة الرفع التي لحقته ) ، وأن يكون المسمار هو الفاعل ( برغم الفتحة على آخره ) .
وهذا الذي نجده في اللّغة العربيّة نجد مثله أيضا في اللّغات الأجنبيّة ، وخصوصا تلك اللّغات التي فيها إعراب ( كاللاتينية والألمانيّة ) .
يقولون في اللّغة اللاتينية :
Inter filios agricolae semper discordia erat .
ومجرى هذه الجملة في اللّغة العربيّة كما يلي :
بين أبناء الفلّاحين دائما خلاف كان .
وكذلك نجد في اللغة الفارسيّة هذا النّسق نفسه :
دو زن براي طفلي دعوى مىكردند :
اثنتان نساء في شأن طفل دعوى رفعن « 1 » .
هذا التركيب الغريب على القارئ العربيّ ( وعلى النحو العربيّ أيضا ) هو التركيب المألوف في اللّغتين اللاتينية والفارسية . وحجّة اللاتين والفرس أنّ الجملة - وخصوصا إذا هي طالت « 2 » - تغيب ألفاظها المتقدمة من الذّهن ، فيجعلون الكلمات المهمّة في آخر الجملة حتّى يظلّ الذّهن واعيا حافظا لها .
وربما اقتضت البلاغة العربيّة أن يكون ، في الجملة بعد الجملة ، شيء من التّقديم والتأخير ، كما نجد في قوله تعالى :
وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
( 7 : 192 ، سورة الأعراف ) -
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
( 20 : 55 ، سورة طه ) -
. . . وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
( 43 : 33 ، سورة الزخرف ) . إنّ تقديم المفعول به هنا وتقديم الجار والمجرور غايته التأكيد ( وهو وجه من البلاغة ) . إنّ قوله تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ
دعت إليه ضرورة التأكيد على الجار والمجرور « منها » ( من الأرض ) . أمّا « خلقناكم » فلم يكن
هامش
( 1 ) كان في الفارسية القديمة مثنى ، ثمّ فقد المثنى وحل محله الجمع .
( 2 ) والعرب يقولون أيضا : إن الكلام إذا طال أنسى بعضه بعضا .