وعج على مكّة الروحاء مبتكرا * فطف بها حول ركن العود والنائي « 1 » .
- صدّ بعد الوصال تيها وعجبا * فأذاب الفؤاد هما وكربا « 2 » .
رشأ جسمه أرقّ من الما * ء وأقسى من الحوادث قلبا « 3 » .
- يا ربّ ظمآن الوشاح * يفترّ عن برد الأقاحي « 4 »
ما زلت ألثم ثغره * ما بين ريحان وراح « 5 » ،
في ليلة لم تتّسع * لعناقنا منها النواحي « 6 » :
ما لاح وجه عشائها * حتّى بدا وجه الصباح « 7 » !
- الغيم ممدود السرادق * والزهر مفروش النمارق « 8 » .
وطن يموت مخافة * فيه الشقاء من الشقائق « 9 » .
قد غنّت الأطيار في * طرقاته كلّ الطرائق « 10 » .
فاعتق فؤادك فيه من * رقّ الخطوب بشرب عاتق « 11 » .
فالأقحوان غصونه * بيض النواصي والمفارق « 12 » ،
هامش
( 1 ) عاج : مال إلى المكان ، ذهب . الروحاء موضع علي أربعين ميلا من المدينة ( الحجاز ) ( ؟ ) .
مبتكرا : مبكّرا ، باكرا . . في البيت الحرام ( الكعبة ) ركنان : الركن الشامي ( الشمالي ) الركن اليماني ( الجنوبي ) . والشاعر هنا يجعل للهو ركنين : العود والناي ( الغناء ) .
( 2 ) التيه : الخيلاء والتكبر على الآخرين . العجب : الادلال ، النظر إلى النفس بالرضا ورفعها فوق أنفس الآخرين . الهم : ما يشغل النفس من القلق على المستقبل . الكرب : ما يثقل على النفس من الشدة الحاضرة .
( 3 ) الرشأ : الصغير من ولد الغزلان . الحوادث : النوائب ، المصائب .
( 4 ) ظمآن ( عطشان ) الوشاح ( ما تجعله المرأة حول كتفيها ) : كناية عن الجسم النحيف . برد الأقاحي ( زهر الأقحوان ) : كناية عن استواء الأسنان وبياضها .
( 5 ) الريحان : الزهر . الراح : الخمر .
( 6 ) ليلة لم تتسع نواحيها ( أولها وآخرها ) لعناقنا : كان عناقنا فيها قليلا لقصرها .
( 7 ) تفسير للبيت الأول ، كناية عن قصر ما بين مبتدأها ومنتهاها .
( 8 ) - الغيم متصل في السماء كأنه سرادق ( خيمة منصوبة ) . النمارق جمع نمرقة ( بضم النون والراء ) وسادة صغيرة يتكئ عليها الجالسون . والزهر مفروش النمارق : كناية عن تنوع ألوان الزهر .
( 9 ) الشقائق جميلة تدخل السرور على القلب فيموت فيه الشقاء .
( 10 ) طرقات الروض الكثيرة تكثر فيها الأطيار التي تغني على جميع طرائق ( جمع طريقة : أسلوب ، نوع ، لحن ) الغناء .
( 11 ) حرر قلبك من أسر المصائب بشرب عاتق ( الخمر ) .
( 12 ) النواصي : جمع ناصية : مقدم الرأس . المفارق جمع مفرق ( بفتح الميم وكسر الراء ) : الخط في وسط الرأس أو أحد جانبيه حيث يفرق الشعر فرقين . ان زهر الأقحوان يعم جميع نبتة الأقحوان ( ! ! ) .