فقلت * : عافاك اللّه ! حديثنا في الإبداع لا في الأتباع « 1 » ، وفي الآداب لا في الأنساب . ليس تغني المتنبّي جلالة نسبه مع ضعف أدبه ، ولا يضرّه خلاف دهره مع اشتهار ذكره .
ولقد تأمّلت أشعاره كلّها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه وتعتبر بها آدابه من أشعار المتقدّمين منسوخة ومن معانيهم المخترعة مسلوخة . وإنّي لأعجب ، واللّه ، من جماعة يغلون « 2 » في ذكر المتنبّي وأمره ويدّعون الإعجاز في شعره ويزعمون أن الأبيات المعروفة له هو مبتدعها ومخترعها ومحدثها ومقترعها « 3 » ، لم يسبق إلى معناها شاعر ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر « 4 » . . . . .
ولست - يعلم اللّه - أجحد فضل المتنبّي وجودة شعره وصفاء طبعه وحلاوة كلامه وعذوبة ألفاظه ورشاقة نظمه ، ولا أنكر اهتداءه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البديع لحظا و ( لا ) استيفاءه حدود الحذف إذا سلخ ( المعنى ) فكساه من عنده لفظا . ولا أشكّ في حسن معرفته بحفظ التقسيم « 5 » الذي يعلق بالقلب موقعه ، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه . . .
وغوصه في الفهم على ما يستصفى ماؤه ورونقه ، وسلامة كثير من أشعاره من الخطأ والخلل والزلل والدخل « 6 » . . . . وأشهد أنّه عن درجته غير نازل ولا واقع ، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع . غير أنّي - مع هذه الأوصاف الجميلة - لا أبرّئه من سرقة ، ولا أرى أن أجعله وأبا تمّام الذي كان ربّ المعاني في طبقة « 7 » ، ولا ألحقه في سهولة الألفاظ وعذوبتها ورشاقة المعرض « 8 » ومجانبة التصنّع
هامش
( 1 ) الابداع ( بكسر الهمزة ) : الاحسان . الاتباع ( بفتح الهمزة جمع تابع : خادم مقلد ) .
( 2 ) غلا الرجل يغلو في أمر : بالغ ، جاوز الحد .
( 3 ) مقترعها : مختارها ، المختار لها ، الذي اختارها .
( 4 ) البادي : البدوي . الحاضر : الساكن في الحضر ( المدن ) . البادي والحاضر : جميع الناس .
( 5 ) التقسيم من وجوه البلاغة : التسهيم ، نحو : « بيض صنائعنا خضر مرابعنا . . . » حفظ التقسيم ( ؟ ) .
( 6 ) الخطأ ( الغلط ، مجانبة الصواب ) والخلل ( النقص ، للجهل بالموضوع ) والزلل ( الخطأ لقلة العلم ) الدخل ( الفساد في العقل أو الجسم ) .
( 7 ) في طبقة - في طبقة واحدة ( على مستوى واحد مع أبي تمام ) .
( 8 ) رشاقة المعرض ( ؟ ) - العرض : التعبير ( جمال التعبير ) .