لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أيّ ثمرة يجتني منها ولا أيّ نتيجة تحصل له من مقدّمات ما تضمنه هذا الكتاب . وإنه إن كانت غايته منه استتمام قراءته والبلوغ إلى آخره دون تفهّم ما يقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع اليه نفعه . . .
« وكذلك من قرأ هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهرا وباطنا لم ينتفع بما يبدو له من خطه ونقشه . كما لو أنّ رجلا قدّم له جوز صحيح لم ينتفع به إلّا أن يكسره ويستخرج ما فيه . وكان أيضا كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس ، فأتى صديقا له من العلماء له علم بالفصاحة فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح . فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه ؛ فانصرف بها إلى منزله ، فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها ولا يعلم تأويل ما فيها حتى استظهرها كلّها . فاعتقد أنه قد أحاط بعلم ما فيها . ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب فأخذ في محاورتهم ، فجرت له كلمة أخطأ فيها . فقال له بعض الجماعة : إنّك قد أخطأت ، والوجه غير ما تكلّمت به . فقال : كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي ؟ فكانت مقالته هذه أوجب للحجّة عليه ؛ وزاده ذلك قربا من الجهل وبعدا من الأدب . . .
« وقد يقال إن العلم لا يتمّ إلّا بالعمل ، وأنّ العلم كالشجرة والعمل به كالثمرة . وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به ، وإن لم يستعمل ما يعلم فليس يسمّى عالما . ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمّي جاهلا .
« وأقل الناس عذرا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض . كما أنه لو أنّ رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها كانا ، إذا صارا في قعرها ، بمنزلة واحدة . غير أن البصير أقلّ عذرا عند الناس من الضرير ، إذ كانت له عينان يبصر بهما ؛ وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف .
« وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألّا تكون غايته التصفح لتزاويقه ، بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال حتى يأتي عليه إلى آخره ، ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويّته ، ويكون مثل ثالث الإخوة الثلاثة
تاريخ الأدب العربي — صفحة 56
مساهمون: عمر فروخ
ص٥٦