ومن تبحّر شعر أبي تمّام وجد كلّ محسن بعده لائذا به ، كما أن كلّ محسن بعد بشّار لائذ ببشّار ومنتسب اليه في أكثر احسانه .
ولولا أنّ بعض أهل الأدب ألّف في أخذ البحتري من أبي تمّام كتابا لكنت سقت كثيرا ( من ) مثل ما ذكرنا ، ولكنّني أكره إعادة ما ألّف ، وأجتنب أن أجتذب من الأدب ما ملك قبلي .
- أبو تمّام وابن أبي عيينة ( أخبار البحتري 165 - 166 ) :
وكان أبو تمّام يبصر الشعر كلّه وينقده ، ويفضّل الجيّد منه وان كان على غير مذهبه . ولا أعلم شاعرين أشدّ تباينا ولا أبعد شبها من أبي تمّام وابن أبي عيينة المطبوع : فان أبا تمّام يصنع الكلام ويخترعه ، ويتعب في طلبه حتى يبدع ، ويستعير ويغرب « 1 » في كل بيت إن استطاع .
وابن أبي عيينة لا يصنع من هذا شيئا ، ويرسل نفسه في شعره على سجيّته ، ويخرج كلامه مخرج نفسه بغير كلفة ؛ وربّما اختلّ معناه ولان لفظه . وأبو تمام لا يسقط معناه البتّة وإنما يختلّ في الوقت لفظه .
فإذا استوى له اللفظ فهو الجيّد من شعره النادر الذي لا يتعلّق به .
وقد أحكمت وصفه في رسالة أحتجّ فيها عنه ، وعملت بعقبها شعره .
وكان ابن أبي عيينة عند أبي تمّام ، مع هذا التباعد بينهما ، شاعرا مجيدا :
حدّثني أبو الحسن الكاتب قال : حدّثني عليّ بن العباس الروميّ « 2 » قال :
حدّثني أبو يوسف الدقاق قال : كنّا مع أبي تمّام وبين يديه أشعار المحدثين يختار منها ، فلما بلغ إلى شعر أبي عيينة هذا قال : وهذا كلّه مختار !
4 - [ المصادر والمراجع ]
أخبار الراضي باللّه والمتّقي للّه ( نشره هيورث دنّ ) ، القاهرة ( مطبعة الصاوي ) 1935 م .
أشعار أولاد الخلفاء ( نشره هيورث دنّ ) ، القاهرة ( مطبعة الصاوي ) 1936 م .
هامش
( 1 ) يغرب : يأتي ( بالمعنى ) الغريب ، البعيد ، الجميل .
( 2 ) ابن الرومي ( ص 340 وما بعدها ) .