أسئلة على غير المنهاج المنطقي تحتاج في الإجابة إلى نباهة وذكاء أكثر مما تحتاج إليه من العقل والمعرفة . وفي المقامات شيء كثير من هذا كلّه مبنيّ على التوريات وراجع إلى أحوال مفردة ، وهو المسمّى « ألغازا » . فمن الفكاهة العاديّة قول ابن لنكك :
لا تخد عنك اللّحى ولا الصّور * تسعة أعشار من ترى بقر .
ومن الألغاز سؤال في مقامات بديع الزمان هو : أيّ بيت ( من الشعر ) أوله يغضب وآخره يلعب ؟ - وجواب هذا السؤال الملغز : هو قول عمرو بن كلثوم :
كأنّ سيوفنا منّا ومنهم * مخاريق بأيدي لاعبينا « 1 » !
( لأنّه يبدأ بالكلام على السيوف - وهي من آلات الحرب - ثم ينتهي باللعب بالمخاريق ، والمخراق خرقة ملفوفة يتضارب بها الصبيان ) .
ويدخل في هذا الباب كتب الجدال والمناظرات والخصومات ، كما نجد عند أبي حيّان التوحيدي وفي كتب علماء الكلام من الأشعرية والمعتزلة ، وما نراه في كتب التوحيد وأصول الدين ؛ كما يدخل فيه الكتب التي تعرض الآراء والمذاهب كرسائل إخوان الصفا وجميع الكتب المؤلّفة في فنون السلوك والعلم وفي علوم العربية من اللغة والنحو والنقد . وأكثر ما يدخل في باب الإنتاج الوجداني أو الحكم على الانتاج الوجداني ( أي النقد ) من هذا الباب مذكور في تراجم أهله في هذا الكتاب .
ابن دريد
1 - [ ترجمة الأديب ]
هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزديّ من أزد عمان .
وقد انتقل أهله إلى البصرة بعد تمصيرها من غير أن تنقطع صلتهم بموطنهم لأول .
ولد بن دريد في البصرة ، سنة 223 ه ( 838 ) « 2 » ونشأ فيها وأخذ العلم عن
هامش
( 1 ) المخراق : منديل ( أو قطعة من نسيج ) يلف على شكل العصا ويضرب به .
( 2 ) في طبقات الزبيدي ( ص 201 ) : توفي ابن دريد سنة 321 ه وهو ابن ثلاث وتسعين ، فيكون مولده ، بحسب ذلك ، سنة 228 ه .