وبالغ أدباء هذا العصر في الغزل المؤنّث والمذكّر في الشعر والنثر وزادوا في ذلك كلّه على من تقدّمهم ، ثمّ وسّعوا القول في وجوه اللهو وأسبابه وألوانه حتّى خرج كثيرون منهم من ذلك إلى المجون والاستهتار والفحش .
والذي يطالع هذا النوع من النتاج الأدبي في العصر الذي نصفه يخيّل إليه أن كثيرا من الألفاظ الجنسية وما إليها قد فقد معناه ومدلوله ، إذ نجد الأدباء يذكرون الألفاظ الجنسية والتعابير البذيئة والمدارك الفاسقة ذكرا عاديّا مألوفا كما يذكرون ألفاظ الفلك والشجاعة وتعابير الدين والأخلاق وكما يعالجون المدارك الرصينة النبيلة الشريفة سواء بسواء .
ومن بارع الغزل في النثر قول ابن العميد :
سألتني عمّن شغفني وجدي به ، وشغفني حبّي له . وزعمت أنّي لو شئت لذهلت عنه ، ولو أردت لاعتضت منه ، زعما لعمر أبيك ليس بمزعم « 1 » ! كيف أسلو عنه وأنا أراه ، وأنساه وهو لي تجاه « 2 » ؟ هو أغلب عليّ وأقرب إليّ من أن يرخي لي عناني أو يخلّيني واختياري بعد اختلاطي بملكه وانخراطي في سلكه .
واتّسع أيضا فنّ الإخوانيّات وتعدّدت أغراضه وتنوّعت .
الإخوانيّات رسائل يتبادلها الإخوان ( الأصدقاء والأقارب على السواء ) وتكون في النثر كما تكون في الشعر ، وإن كانت في النثر أكثر . فمن الاخوانيّات في الشعر تلك القصائد التي كان أبو فراس الحمدانيّ يبعث بها من أسره في بلاد الروم إلى أهله وأصدقائه ، وإلى سيف الدولة خاصّة ، يحثّهم فيها على أن يفتدوه من الأسر . أما في النثر فأشهر ما يشار اليه رسائل بديع الزمان الهمذانيّ ورسائل أبي بكر الخوارزميّ .
كانت هذه الرسائل تدور على أغراض وجدانيّة خاصّة بالمتراسلين من العتاب والتشوّق واللّوم والشكر واستنجاز وعد وطلب معروف . على أنها قد تتناول أحيانا بحثا أدبيا أو جدلا نظريّا أو نقدا اجتماعيّا أو نصحا شخصيّا .
والمهمّ في هذه الرسائل الإخوانيّات أنها كانت تصاغ صياغة أنيقة مثقلة أحيانا بأوجه البلاغة : من موازنة وسجع واستعارات وتوريات ، مع ميل
هامش
( 1 ) هذا عجز بيت من معلقة عنترة .
( 2 ) تجاه ( بفتح التاء أو كسرها أو ضمها ) : مقابل .