لقد تركت ، أمير المؤمنين ، بها * للنار يوما ذليل الصخر والخشب « 1 » .
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى * يشلّه ، وسطها ، صبح من اللهب « 2 » ؛
حتى كأنّ جلابيب الدجى رغبت * عن لونها ، أو كأن الشمس لم تغب « 3 » :
ضوء من النار ، والظلماء عاكفة ، * وظلمة من دخان في ضحى شحب « 4 » ؛
فالشمس طالعة من ذا ، وقد أفلت ؛ * والشمس واجبة في ذا ، ولم تجب « 5 » .
تصرّح الدهر تصريح الغمام لها * عن يوم هيجاء منها طاهر جنب : « 6 » .
لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على * بان بأهل ، ولم تغرب على عزب « 7 » .
ما ربع ميّة ، معمورا يطيف به * غيلان ، أبهى ربى من ربعها الخرب « 8 » ؛
ولا الخدود وقد أدمين ، من خجل ، * أشهى إلى ناظري من خدّها الترب .
سماجة غنيت منا العيون بها * عن كلّ حسن بدا أو منظر عجب .
وحسن منقلب تبدو عواقبه * جاءت بشاشته من سوء منقلب « 9 » .
هامش
( 1 ) لقد كثرت النار التي أوقدها العرب لاحراق البلد واشتدت تلك النار حتى احترقت الصخور فيها بعد أن احترق الخشب .
( 2 ) يشله : يطرده . - كان ضوء النار يبدد ظلام الليل في عمورية المحترقة حتى كأن الصبح كان يطلع فيها في ذلك الحين .
( 3 ) جلابيب جمع جلباب : ثوب . رغب عن الشيء : تركه ، كرهه . - كأن السواد لم يبق لونا لليل .
( 4 ) عاكفه : نازله ، دائمة ( الوقت ليل ) . شحب : متغير اللون ، قليل اللون ( يخالطه بياض أو صفرة ) .
( 5 ) أفلت : غربت . واجبة : غاربة . - ان اشتعال النار في الليل يوهمنا أن الشمس طالعة ، وان كثرة الدخان في النهار توهمنا أن الشمس غائبة .
( 6 ) بوغتت عمورية بالخراب ، كما ينشق الغيم عن صفحة السماء ( فجأة ) . يوم هيجاء : حرب . طاهر لأن المسلمين خرجوا غازين في سبيل اللّه ، فالقتال في عمورية كان حلالا لأنه رد على اعتداء الروم عليهم .
جنب : لأن الدم سال فيه . والشراح يفسرون « جنبا » على الحقيقة فيقولون : ان المسلمين أسروا نساء وتغشوهن .
( 7 ) بان : متزوج . الأهل : الزوجة . العزب : من لم يتزوج بعد . - لما دخل المسلمون المعركة ( مع طلوع الشمس ) لم يكن فيهم أحد متزوج ، ولما انتهوا من المعركة ( قبل غروب الشمس ) لم يكن قد بقي أحد منهم بلا زوجة ( كناية عن كثرة السبي من النساء خاصة ) .
( 8 ) غيلان بن عقبة الشاعر المعروف بذي الرمة شغف بمية بنت طلبة وظل يهيم في ديارها أملا في رؤيتها عشرين سنة .
- ما كان منزل مية ، ومية فيه ، أحب إلى غيلان من عمورية الخربة ( بعد تلك الحروب ) في نظر المسلمين .
( 9 ) كانت نتيجة المعركة ظفرا للمسلمين وسرورا لهم : سرور المسلمين جاء من انهزام الروم ونكبتهم .