فبتّ قرير العين أعطيت حاجتي : * أقبّل فاها في الخلاء فأكثر .
فيا لك من ليل تقاصر طوله ؛ * وما كان ليلي قبل ذلك يقصر « 1 » .
ويا لك من ملهى هناك ومجلس * لنا لم يكدره علينا مكدّر :
يمجّ ذكي المسك منها مقبّل * نقيّ الثنايا ذو غروب مؤشّر « 2 » ،
تراه إذا ما افترّ عنه كأنه * حصى برد أو أفحوان منوّر « 3 » .
وترنو بعينيها إليّ كما رنا * إلى ظبية وسط الخميلة جؤذر « 4 » .
فلما تقضّى الليل إلّا أقلّه * وكادت توالي نجمه تتغوّر « 5 » .
أشارت بأنّ الحيّ قد حان منهم * هبوب ؛ ولكن موعد لك عزور « 6 » !
*
فما راعني إلّا مناد : « ترحّلوا » ، * وقد لاح معروف من الصّبح أشقر « 7 » .
فلما رأت من قد تنبّه منهم * وايقاظهم ، قالت : « أشر ، كيف تأمر ؟ »
( فقلت : « أباديهم ، فإما أفوتهم ، * وإما ينال السيف ثأرا فيثأر » . ) « 8 »
فقالت : « أتحقيقا لما قال كاشح * علينا ، وتصديقا لما كان يؤثر « 9 » ؟
هامش
( 1 ) طول الليل كناية عن الهموم والقلق والخوف من المستقبل ( راجع ، فوق ، ص 117 ، 180 ) .
( 2 ) مقبل : فم . نقي الثنايا ( الأسنان ) كناية عن النعمة وعن صغر السن أيضا . غروب جمع غرب ( بفتح الغين ) : حد ، طرف ظاهر . مؤشر : محزز ( في أسنانها حزوز : خطوط ظاهرة ) . حينما يكون الانسان صغيرا تكون أسنانه نقية وحزوزها بادية للعين . ومع الأيام تمحي هذه الحزوز بالحت أو تمتلئ بالوسخ .
( 3 ) - إذا افترت ( انفرجت شفتاها ) عنه ( عن فمها ) كأنه ( كأن الأسنان فيه ) حصى برد ( حبات الثلج المتجمدة بعد انفصالها من الغيم ماء - كناية عن بياض لونها ) أو أقحوان ( أو بتلات زهرة الأقحوان - ان بتلات زهرة الأقحوان تشبه الأسنان ، كناية عن بياض الأسنان وظهور الحزوز فيها ) . منور ( بفتح الواو المشددة أو بكسرها ) : متفتح ، في إبان إزهاره .
( 4 ) ترنو : تتطلع . الجؤذر : ابن الظبية .
( 5 ) توالي النجوم : النجوم التي تظل ظاهرة حين طلوع الفجر . تتغور : تغيب ( عن البصر ، في ضوء النهار القادم ) ، تغرب وراء الأفق .
( 6 ) ولكن لك موعد ( جديد ) في عزور . هبوب : استيقاظ ، نهوض من النوم .
( 7 ) راعني : أخافني ، فجأني . ترحلوا ( قوموا إلى رحالكم ) ، استعدّوا للسفر . لاح معروف من الصبح :
ظهر بشكله المعروف المألوف . أشقر : مائل إلى الاحمرار ( بعد سواد الليل ) .
( 8 ) أباديهم : أبدأهم بالهجوم . أفوتهم : أخلص ( أنجو ) منهم .
( 9 ) الكاشح : المبغض ، العدو . كان يؤثر : كان يقال عنا .