أيّها الناس : إني ، واللّه ، ما أنا بالخليفة المستضعف « 1 » ، ولا بالخليفة المداهن « 2 » ، ولا بالخليفة المأفون « 3 » . فمن قال لنا برأسه كذا ، قلنا له بسيفنا كذا !
- بعد مقتل مصعب بن الزبير ( سنة 71 ه ) دخل عبد الملك بن مروان الكوفة ثم خطب في أهلها فقال :
أيها الناس : ان الحرب صعبة مرّة ، وان السلم أمن ومسرّة . ولقد زبنتنا « 4 » الحرب وزبنّاها فعرفناها وألفناها ، فنحن بنوها وهي أمّنا .
أيها الناس : ( ألا ) فاستقيموا على سبل الهدى ودعوا الأهواء المردية « 5 » ، وتجنّبوا فراق « 6 » جماعات المسلمين ، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين والأنصار « 7 » - وأنتم لا تعملون أعمالهم . ولا أظنّكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا ، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحجّة عليكم « 8 » إلّا عقوبة . فمن شاء أن يعود بعد لمثلها فليعد « 9 » . فإنما مثلي ومثلكم كما قال قيس بن رفاعة الأنصاري « 10 » :
. . . أنا النذير لكم مني مجاهرة * كيلا ألام على نهي وإعذار .
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا * أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار .
هامش
( 1 ) عثمان بن عفان . المستضعف : الذي يطمع به الناس ثم يتغلبون على ارادته .
( 2 ) معاوية بن أبي سفيان . المداهن : الذي يتملق أصحاب الحق والقوة حتى يصرفهم عما عزموا عليه . المداهنة :
الغش ، اظهار المرء غير ما يبطن .
( 3 ) يزيد بن معاوية . المأفون : الضعيف الرأي والعقل ، الذي يتمدح بما ليس عنده .
( 4 ) زبنتنا الحرب : دفعتنا ( عن النصر ) - انهزمنا فيها مرة وانتصرنا فيها مرة .
( 5 ) المردية : المهلكة .
( 6 ) فراق : مفارقة ، مخالفة . - لا تخرجوا عن إجماع الأمة الاسلامية .
( 7 ) لا تنتظروا منا أن نعمل مثل اعمال المهاجرين والأنصار ( راجع فوق ، ص 237 - 238 ) من الحق والعدل ، فلسنا نحن مثلهم ولا أنتم مثلهم .
( 8 ) أعذر : أبدى عذره ، ( أبدى وجهة نظره سلفا وحذر من عواقب الأمور ) . . . . بعد الحجة عليكم :
بعد إقامة الحجة من شخص على آخر ( بعد تبيان أوجه القضية وموافقة الخصم على أحد تلك الأوجه ) .
( 9 ) - ( قد خالفتمونا ثم رأيتم عقابنا لكم ) فمن شاء أن يعود إلى مخالفتنا فليفعل ( فسنعود إلى مثل عقابنا لمن خالفنا ) .
( 10 ) قيس بن رفاعة الأنصاري أو الواقفي من بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس ، شاعر مخضرم ( معجم الشعراء ، القاهرة ، دار احياء الكتب العربية ، 1379 ه - 1960 م ) ، ص 197 .