يتبرع بها الغني للفقير ، بل هي حقّ للفقير يقتضيه من الغنيّ بوساطة الدولة .
ثم إن الاسلام حثّ الأغنياء على الصدقات المختلفة فوق ما أوجب عليهم من الزكاة .
أما المؤسّسة الاجتماعية التي تبدّلت تبدّلا جذريا فهي الأسرة . فالأب لم يبق ربّا للأسرة بمعنى « مالكها » يتّخذ الزوجات كيف يشاء ويبيع أولاده أو يجعلهم رهائن عند خصومه أو قودا « 1 » ، بل بمعنى « القائم على شؤونها » .
ونظّم الاسلام الزواج والطلاق بعد أن كانا فوضى . ولم تكن المرأة في الجاهلية ترث ، ولا كان الأب والأمّ يرثان ، فقسم الاسلام للفتاة نصف ما قسم لشقيقها من الإرث ثم جعل للأبوين نصيبا مفروضا في ثروات أولادهما .
وحرص الاسلام على مكارم الأخلاق الشخصية والاجتماعية : فكل ما أدّى إلى ضرر في الفرد أو تخلخل في البيئة الاجتماعية هو في الاسلام حرام أو مكروه على نسبة ما فيه من الضرر . فالكذب والغش والنميمة والخمر والزنا كلها داخلة في هذا الباب . وكذلك العصبية والثأر والحميّة الجاهلية والاسراف في الكرم والتكبّر وما يشبهها مكروهة كلّها .
وبعد أن شدّ الاسلام الجماعة الاسلامية بأواصر من الرحمة والحقوق والدين نظّم علاقاتهم مع غيرهم من الأمم والشعوب . ان غير المسلمين في نظر الاسلام قسمان : أهل كتاب ( أصحاب دين سماوي ) كالنصارى واليهود ، ثم كفّار ( لا كتاب لهم ، لا دين سماويا لهم ) . أما أهل الكتاب فكان لهم حالان يختلفون بهما في الدولة الاسلامية من المسلمين :
( أ ) يدفعون جزية مقطوعة ( بين دينار وأربعة دنانير في العام حسب درجات غناهم ) ثم لا يذهبون إلى الجهاد والفتح .
( ب ) ولم يكن أهل الكتاب يتولّون الخلافة ولا القضاء بين المسلمين .
وأما الكفّار فكانوا أهل حرب أو دار حرب ، ولم يكن لهم ، في العصر الذي نعالجه ، مكان في الدولة الاسلامية ، وكان قتالهم واجبا . ويحسن أن نذكر أنه كان في هذا العصر طبقة من المؤلّفة قلوبهم ( وهم أفراد من أهل الكتاب ومن المسلمين أيضا كانوا يحسّنون سلوكهم في الدولة الاسلامية إذا تناولوا مبالغ من المال ) . أما الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكيد للمسلمين فهم المنافقون .
هامش
( 1 ) يسمح بقتلهم ثأرا لآخرين قتلوا من خصومهم .