ابن أبي سلمى معلّقته يمدح فيها الحارث وهرما ويذكر صلح داحس والغبراء وأمر الحصين بن ضمضم ويصوّر أهوال الحرب ويزيّن السلام ويدعو اليه . فمما يختار من المعلقة :
أمن أمّ أوفى دمنة ، لم تكلّم ، * بجومانة الدّرّاج فالمتثلّم ؟
وقفت بها من بعد عشرين حجة * فلأيا عرفت الدار بعد توهّم « 1 » :
تذكرني الأحلام ليلى ، ومن تطف * عليه خيالات الأحبّة يحلم « 2 » .
سعى ساعيا غيظ بن مرّة بعد ما * تبزّل ما بين العشيرة بالدم « 3 » .
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله * رجال ، بنوه ، من قريش وجرهم « 4 »
يمينا : لنعم السيّدان وجدتما * على كل حال من سحيل ومبرم « 5 » .
تداركتما عبسا وذبيان بعد ما * تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم « 6 » .
وقد قلتما : « إن ندرك السّلم واسعا * بمال ومعروف من الأمر نسلم ! »
فأصبحتما منها على خير موطن * بعيدين فيها من عقوق ومأثم ،
عظيمين في عليا معدّ هديتما ، * ومن يستبح كنزا من المجد يعظم !
فأصبح يجري فيهم من تلادكم * مغانم شتى من إفال مزنم « 7 » .
تعفّى الكلوم بالمأتين فأصبحت * ينجّمها من ليس فيها بمجرم « 8 » .
ينجّمها قوم لقوم غرامة * ولم يهريقوا بينهم ملء محجم « 9 » .
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة * وذبيان : هل أقسمتم كل مقسم « 10 » ؟
هامش
( 1 ) حجة : سنة . لأيا : مشقة وبطء . توهم : ظن ( ما عرفت مكان الدار بالتأكيد ) .
( 2 ) يحلم : يرى طيف حبيبته في منامه .
( 3 ) الساعيان : المصلحان ( الحارث بن عوف وهرم بن سنان ) . تبزل : تشقق ( يعني بعد ان فرق القتال بين القبيلة الواحدة : غطفان ، أي عبس وذبيان ) .
( 4 ) البيت : الكعبة .
( 5 ) السحيل ضد المبرم : الحبل المفتول جدا ( يعني في الرخاء وفي الشدة ) .
( 6 ) تفانوا : أفنى بعضهم بعضا . دقوا بينهم عطر منشم : اشتدوا في قتل بعضهم بعضا ( اما تخريج هذا المثل فله روايات مختلفة ) .
( 7 ) التلاد : الأموال الموروثة . الافال : أولاد الإبل . مزنم : جعلت له علامة في اذنه دلالة على أصله .
( 8 ) تعفى : تمسح ، تمحى . الكلوم : الجروح . المئون : جمع مائة ( أي بمائة جمل لكل قتيل ) . ينجم : يدفع في وقت معين . مجرم : مذنب .
( 9 ) . . . : ولم يسفكوا من الدم مقدار محجم ( اناء صغير يستخرج به الدم من الجسم بعد تشطيبه بالموسى ) .
( 10 ) الاحلاف : المتحالفون وهم هنا بنو أسد وغطفان .