فآخر مواقفه الشريفة رحمه اللّه ورضي اللّه عنه موقفه في وظيفة مديرية أوقاف دمشق الشام التي سعى في تشييد دائرتها الماثلة اليوم للأنظار ، أثرا ناطقا بمزاياه الطيبة ، وأعماله الجليلة ، فرتّبها أحكم ترتيب إدارة وبناء وتنظيما يشهد ببراعته وحنكته وإقدامه وإخلاصه لأمته ووفائه لمصلحة دينه وبلاده بقدر استطاعته ورفع بها شأن الإسلام ، وقد كانت قبله على شفا جرف هار ، فحفظ أموال الأوقاف الإسلامية من أن تنساب إلى هنا وهناك ، وشاد بها جملة أماكن وبنايات أفادت اليوم غلتها الطائفة الإسلامية أعظم فائدة ( وإن تعلق بها أو ببعضها حق لبعض الأوقاف الزّرية ، فبإمكان الحكومة أن تعوض من غلة تلك البنايات على المستحقين أو تسجل لهم عينها بقدر حقوقهم ) ، ولقد وقف أمام المطامع وقفة جبار لا يهاب كجبل ثابت لا يضطرب ولا تحركه الأعاصير ولا العواصف ، كما هو شأن كل مخلص لمصلحة أمته العامة معتمد على اللّه وحده عزّ وجل ، ثم قضت عليه أخيرا بعض الظروف السياسية أن يتغاضى وأن لا يصدر البيان بأعماله وخطته التي سار عليها في تنظيم دائرة الأوقاف « 1 » ، وفي حفظ أموالها من الاضمحلال وأن يمر بلغو الكلام وعظيم الافتراء مرور الكرام الأبرار الأوفياء لمصلحة أمتهم ولسان حاله يجيب بأفصح حجة دامغة قائلا :
« يضيق صدري ولا ينطلق لساني »
وقد شهد له عقب وفاته رحمه اللّه تعالى ، المنصفون حتى من أعدائه ، ( إن كان يصح أن يكون للأبرار الكرام الأوفياء لدينهم وأمتهم وأوطانهم أعداء ) بأنه في ذلك قد خدم أمته السورية خدمة لا ينساها مؤرخ فيه شرف وإنصاف ، وأما الحسّاد فحسبهم أن حسدهم لا يرضي ربهم جل جلاله ، بل يأكل قلوبهم ويوهن أمرهم ويفلّ حدهم ويشهد بحماقتهم ويجعلهم عبرة ومضغة في أفواه المنصفين العارفين .
أما نشأته العلمية رحمه اللّه فتصعب الإحاطة بأطرافها ، ولا سيما ممن لم يعاصره من أول حياته الشريفة ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى طرف يسير منها :
هامش
( 1 ) حرصا على أموال الأوقاف من أن تطالها يد الاستعمار ، فكان يقول إن الأوقاف أصبحت فقيرة بحاجة إلى مساعدات عندها امتنعت فرنسة من وضع يدها على أموال الوقف .