بموضع بها يعرف " بالكدية " وهو أشرفها أرضا وهواء . وقال : جئت هذا الموضع مرة فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا . فقلت : أبا محمد ! قال : نعم ، قلت : ما تصنع ها هنا ؟ قال : ألقح خاطري ، وأجلو ناظري ، قلت :
فهل أنتج لك شيء ؟ قال : ما تقرّبه عيني وعينك إن شاء اللّه تعالى ! وأنشدني شعرا يدخل مسام القلب رقة " .
ويعجبني من رقيق شعره قوله :
أواجدة وجدي حمامة أيكة * تميل بها ميل النزيف غصونها
نشاوى وما مالت بخمر رقابها * بواك وما فاضت بدمع عيونها
أفيقي حمامات اللوى إن عندنا * لشجوك أمثالا يعود حنينها
وكل غريب الدار يدعو همومه * غرائب محسودا عليها شجونها
وذكر ابن رشيق أيضا : " إن عبد الكريم كان لا يقدر على قول المقاطيع من الشعر ، فإنه لا يكاد يصنع مقطوعا ولا أظن في جميع أشعاره خمس قطع أو نحوها " .
وأما نثره فإنا لا نعرف منه إلا ما نقله عنه ابن رشيق في " العمدة " ، فمن ذلك من فصل في اختلاف الشعر بحسب الأزمنة والأمكنة :
" وقد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد ، فيحسن في وقت ما لا يحسن في آخر ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره ، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه ، وكثر استعماله عند أهله . بعد أن لا تخرج من حسن الاستواء وحد الاعتدال ، وجودة الصنعة ، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرا في غيره كاستعمال أهل البصرة بعض كلام فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم " .
" والذي أختاره أنا التجديد والتحسين الذي يختاره علماء الناس بالشعر ، ويبقى غابره على الدهر ، ويبعد عن الوحشي المستنكر ، ويرتفع عن المولد المنتحل ، ويتضمن المثل السائر ، والتشبيه المصيب والاستعارة الحسنة " .
ومن فصل آخر له في مراتب الشعر .