هامش
أهل الصنعة ، ونقدة الكلام ، وكان الصاحب يقول : « بدئ الشعر بملك ، وختم بملك » يعني امرئ القيس وأبا فراس ، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ، ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ، ولا يجترئ على مجاراته ، وإنّما لم يمدحه ، ومدح من دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا لا إغفالا وإخلالا . .
وقد طبع ديوانه مرارا إلّا أنّ يد الأمانة ! قد حذفت بعض شعره في آل اللّه صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وقد روى بعض شعره الثعالبي في يتيمته .
أقول : إنّ أبا فراس هو من نوابغ الدهر ، وحسنات الزمان ، ونوادر المجتمع البشري ؛ فأنّه جمع القصوى من الصفات الحميدة الجليلة ؛ فإنّه في الغاية من الشجاعة والفصاحة والبلاغة وعفة النفس والقلم ، وشعره الكثير منزّه عن كلّ ما يخلّ بالمروءة والزعامة ، وقلّما نجد في إنسان شجاعة ورقة ، وأمارة وزهدا ، وترفّعا عمّا في أيدي الناس مع الكرم ، وهذه الصفات تتعارض ولا تجتمع في فرد ، إلّا في مثل شاعرنا البطل المغوار ؛ وممّا يؤسف له أن يكتفى في ترجمة مثل هذا الألمعي الفذ ، والمجاهد في سبيل إعلاء كلمة الحقّ ، والمجاهر بالدفاع عن أهل البيت عليهم السلام بأسطر معدودة ، وكلمات عديدة ، وذلك أن كل نواحي حياته الكريمة فضيلة وللدراسة جديرة ، ويستحقّ أن يؤلّف في حياته وشعره وما اختصّ به من صفات الكمال كتب مستقلة ومباحث مبسّطة ، لكن عودنا الدهر بهضم حقوق نوابغنا ، ودثر معالم أكابرنا ، والتناسي عن ذكر مفاخرنا التي لا يجاريها أحد ، ولو لم تكن له إلّا قصيدته العصماء لكفت في الإعراب عن دخيلة أمره ، وخفيّ عقيدته ، والقصيدة معروفة بالشافية ، وذلك أنّه لمّا نظم محمّد بن سكرة العباسي قصيدته التي يفاخر بها الطالبيين ، وينتقص ولد أمير المؤمنين عليه السلام ، ويتحامل فيها عليهم بقوله :بني عليّ دعوا مقالتكم * لا ينقص الدرّ وضع من وضعهفلما وقف عليها بطلنا المقدام أبت نفسه الأبيّة ، وترفعت أرومته العلية من التنازل إلى ردّه مباشرة وخطابه هذا المأبون الحقير ، فأنشأ قصيدته الشافية وهي :
1 -الحقّ مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول اللّه مقتسم2 -والناس عندك لا ناس فيحفظهم * سوم الرعاة ولا شاء ولا نعم3 -إنّي أبيت قليل النوم أرّقني * قلب تصارع فيه الهمّ والهمم4 -وعزمة لا ينام الليل صاحبها * إلّا على ظفر في طيّه كرم