تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
طعامه غير حافل برفاهية ماكل أو مشرب ، ولا ملتفت إلى زينة في شارة أو كسوة . . . كذلك شأن العظماء ينكرون ما أسماه نيتشه فلسفة الخياطين فلا يؤمنون ان الثوب يخلق الراهب ، ولا ان الزنار المفضض خير من الذكر الحسن ! . . . ولقد صوروا ما رأوا فيه من ورع وتقوى وعفة يد ولسان ، وشهدوا ان الآلاف ذهبا . كانت ترد عليه فما يمسها ويحولها للحال إلى وجوه الخير بل ربما أنفق ماله على تأسيس المدارس ووقفها في عصر أذل فيه الحرص أعناق الرجال . . . كذلك شأن الزاهدين الأصفياء أزكياء النفوس يحقرون الاستكثار ويانفون من التكالب على الرزق ، لأنهم لا يقيسون الفضل بذلك المقياس العجيب الذي حدثنا عنه يوما أحد عمداء العلم وأسماه مقياس عدد الأصفار ! ثم هم أطبقوا على جودة رأيه وشجاعة قلبه وثبات جنانه وتحرره من العصبية والجمود ونهوضه بما يعتقد انه حق . . . كذلك شأن الروحانيين المخلصين لا يدارون في فكرتهم ولا يداجون ولا يصانعون ولا يتلمسون مجدا رخيصا قائما على تملق العامة واسترضاء الدهماء ، ذلك بأنهم أدركوا سر تلك الحكمة العسجدية المنقوشة في صدر تريستان وايزولت والتي تصلح شعارا للمثاليين جميعا من كل جلدة : ما لا يقدر عليه السحرة ، فباستطاعة القلب ان يأتي به بقوة الحب والبطولة ! سادتي ، رحم الله زميلكم ما أروع سحر الانسجام في علمه وعمله ! ألم يكن ذا قلب كبير يفيض بالبطولة وبالمحبة ؟ من مراثيه للشيخ راغب العثماني في رثائه : ترك الجفون تسح بالعبرات * عظم الأسى وتراكم الحسرات رزء على الاسلام جل مصابه * وهوت سماء نجومه النضرات يا خادم العلم الشريف وصاحب * العقل الحصيف وجامع الحسنات من كان بعدك للشريعة واقفا * بالحزم بين زواجر وعظات من كان بعدك في الاله مجاهدا * أهل الهوى والزيغ والشبهات الزعيم الديني الأوحد الذي يعرف دار المفوض السامي بقلم : الأستاذ حسين مروه ميزتان امتاز بهما الفقيد الكبير تغنيان الباحث عن كل ميزة له سواهما ، وتغنيان ذكراه نفسها عن كل مجد يذكره له الناس فيما سيذكرون من أمجاد . ميزتان هما : أولا ، ان السيد محسن الأمين هو الزعيم الديني الأوحد الذي لم يعرف ، قط دار المفوض السامي الفرنسي في بيروت ، ولا دار المندوبية الفرنسية بدمشق طوال عهد الانتداب الدائر ، وهو الزعيم الديني الأوحد الذي لم يعرف ، قط ، وجه فرنسي واحد معرفة غيره لهاتيك الوجوه التي كانت تعنو لها وجوه القوم هنا وهناك من كل لون . . . وهل كان السيد محسن الأمين ، غني اليد بكفيه ماله وغناه هو ان الوقوف على اعتاب الحاكمين المسيطرين ؟ لا ، ولكن كان السيد محسن الأمين غني النفس من وطنية وعزة وكرامة وإباء ، وكان غني العقل من نور وسعة وشمول وانفتاح للحياة ، وكان غني القلب من تسامح وثقة بالله وحق الوطن بالاستقلال والسيادة والانعتاق . كان السيد محسن الأمين غنيا بهذا كله ، فلم يعرف دارا ولا وجها للحاكمين المسيطرين ، ولكن عرف وجوه جميع الوطنيين الذين كانوا يناهضون الانتداب ويجاهدونه ويثيرون بوجهه العواصف والأعاصير عرف تلك الوجوه جميعا في سوريا ولبنان ، وما يزال منهم ذاكرون يذكرون كيف كانت تعقد الحلقات الوطنية في دمشق برعايته وتوجيهه كلما اشتدت أزمة أو هاج أعصار . وثانية الميزتين ان السيد محسن الأمين كان حربا دائمة على البدع والأوهام والشعوذات والخرافات تدخل عقول الناس في الدين أو في العلم أو في الوطنية جميعا . وكانت حربه للبدع والأوهام والشعوذات والخرافات كلها ، حربا جريئة صريحة عنيفة ، لا يعوزها عنصر البطولة والمغامرة ، وهل نسي الناس ، بعد ، قصة الحرب الشديدة التي أعلنها ، منذ سنوات ، على ما أضيف من بدع وأضاليل إلى ذكرى الامام الشهيد الحسين بن علي ؟ وهل نسي الناس كيف وقف في المعركة هذه ، جريئا صريحا عنيفا لا يبرح مكانه ، ولا يرهب صولة الصائلين وتهاويل المهولين ، حتى أوتي النصر المبين ، فكانت حربه هذه خطوة اصلاحية هلل لها الأحرار الوطنيون المخلصون ، وانبروا يناصرونه فيها بالأقلام والألسنة بحرارة وايمان واستبسال ؟ ترى ، هل تنبثق الاحداث عن زعيم ديني يسد فراع هذا الزعيم الراحل ، بميزتين كميزتيه العظيمتين : الوطنية المنيعة الرفيعة ، والفكر التقدمي المستنير . المصلح بقلم : الدكتور أسعد الحكيم لقد اجتمعنا الآن في هذه الروضة العلمية الزاهرة ، التي تؤتي اكلها اسلاما صحيحا ووطنية صادقة ، وعلما نافعا ، واخلاقا فاضلة . وكل نبت من نباتها وكل حجر من أحجارها ، شاهد حي على الدهر ينطق بفضل مؤسسها ، المحسن الأمين . ويشترك معنا في هذه الحفلة التذكارية التي اجتمعنا فيها لنوفي نفسا عزيزة علينا اجر عملها ، وهل جزاء الاحسان الا الاحسان لا لعلم جم وعاه صدره فقط ففوق كل ذي علم عليم وكم