وأسلوبه في الحياة لرأى أهل الاختصاص في شخصيته نموذجا يستقل به
عن حياة زملائه وأنداده الذين عاشوا في وعاش في عصرهم ، تماما كديجون
صاحب المصباح الذي لم يشبه أحدا ، ولم يشبه أحد من فلاسفة اليونان .
وليس من غرض هذه الكلمة ان تترجم ، أو تؤرخ للفقيد ، وانما
القصد ان تشير إلى ناحية واحدة من مناحي حياته وشخصيته ، وهذه الناحية
هي التي أبرزته وميزته ، وزودته بآلة يستقي بها من الأعمال ، ويحلق بها في
الأجواء ، ويسير بها عبر البحار والقفار . . . وهي حبه للقراءة ، وبذله الجهد
الجهيد لها . لقد كانت القراءة في مفهومه ضربا من الحاجة ، لا للتسلية
وقتل الوقت ، وفرضا يحتمه التفهم للحياة والمشكلات .
وقد كانت الكلمة المكتوبة عنده أغلى من الذهب الأبريز ، وأهم
همومه ، حتى في أيامه الثقال الشداد هنا وفي النجف ، بل لم يكن له هم
سواها ، وكأني به إذا تراكمت عليه المشكلات ، وانسدت طرق الحل لجا إلى
الكتاب ، فإذا اخذه بيده ذهل عن كل شئ حتى عن نفسه
مؤلفاته
من مؤلفاته المطبوعة : كيف تفهم الاسلام ، المدينة الفاضلة عند
العرب ، أخلاق آل محمد ، على فوق الفلاسفة ، الأديان في الميزان ، تاريخ
الأنبياء .
شعره
من شعره قوله : صور تروعك للجمال الشيق * يا قلب خفف من جماحك واتق
بسمت لك الأزهار في ضحواتها * عن كل فاتنة بوجه مشرق
قالوا تصابى قلت اي نقيصة * ما أسمج الدنيا لمن لم يعشق
اهوى الجمال ولا أشين بهاءه * ما كل ظمآن الفؤاد بمستق
يهوى الجمال ولا يخاف ملامة * قلب يخف إلى الجمال المطلق
كن كيف شئت معذبا أو منعما * بك لا سواك صبابتي وتعلق
جمحت بي النزوات حتى خلتها * قذفت بقلبي بالظلام المطبق
وافقت لا كأس لدي قريبة * كلا ولا ذاك الطلا بمعتق
أتت الكذوب حقيقة ان لم تكن * ببديع ذاك الحسن لم تستغرق
ما ان شكوت ولا بكيت صبابة * فانا السعيد من الغرام بما شقي
سهدي ودمعي والصبابة كلها * كانت أداة نباهتي وتألقي
وقال :
ذكريات الصبا وروح النسيم * هيجا بعض وجدي المكتوم
ليت شعري بليت بالحب وحدي * أم فؤادي مكون من هموم
اشرب الراح في غرامك صرفا * بين زهر الدين وزهر النجوم
وكؤوس الغرام أعظم فتكا * بأولي الحلم من كؤوس النديم
فمزاج الخمور ماء وكرم . . . * ومزاج الرضاب من تسنيم
سلب القلب خلسة واقتدارا * بمحيا زاه وصوت رخيم
وقال :
يا واهبا للروض منك بشاشة * هب للعباد بشاشة الأوراد
لأرى الوجوه منيرة وقلوبهم * فرغى من الأوغاد والاحقاد
ان تنتج الأزهار من . . . الهوى * كان النسيم لهن بالمرصاد
حتى الازاهر قد يلين بحسد * اقذى الاله نواظر الحساد
وتالف الأحباب أجمل موضعا * من كل غنم طارف وقلاد
وقال :
أيها الهاجرون رفقا بصب * دهره بين عبرة وزفير
ان مللتم لقاءنا فاذكرونا * لا يعاف الميسور للمعسور
أيها الآسرون قلبي مهلا * يجمل العطف بالموتى الأسير
وكان الرياض حولي سماء * زينت في كواكب من زهور
وكان السماء حولي رياض * زاهيات بإقحوان نضير
صفوة العيش قد تجلت عيانا * بين صدق الهوى وصفو الضمير
وقال :
وناظرة لنا بخفي طرف * تسوتى بلحضها الاجل المتاحا
خفضت لعز حسنكم جناحي * ولولا الحب لم اخفض جناحا
أبيت الذل الا في هواكم * اراوحه اغتباقا واصطباحا
من الآلام لي كأس دهاق * إذا ما عاقر اللاهون راحا
على مضض الخطوب بنا ابتسام * يجلل أوجها منا صياحا
فلا الأحباب تشجى إذ ترانا * ولا حسادنا تجد ارتياحا
وقال :
وأعذب ما قد ذقت من ثمر الهوى * حديث عتاب من مشوق وشائق
يقولون عشقا يهلك المرء نفسه * وهل خلدت نفس امرئ غير عاشق
وقال :
إذا ما صحى اللاهون من سكرة الهوى * فقلبك من خمر الصبابة نشوان
فلا تبتئس من نبوة لخل ان جفا * فان حياة الحب وصل وهجران
وقال :
واقتل الدمع ما تبكي النفوس به * لا ما ترقرقه الأجفان والحدق
ان النفوس لتطغى في عواطفها * مالم يقف دونها الوجدان والخلق
وقال حين انتقد مرارا لبس العباءة المعروفة بالخاشية التي اعتاد
رجال الدين لباسها فوق الجبة ، معرضا بقوله ببعض المتزيين بزي الدين
المستغلين له وهم ابعد الناس عن الدين :
وهل الخواشي من أصول الدين * لتسوق خالقها إلى سجين
حسبي من التقليد اني مقتد * بضعيف عقل أو قوي جنون
يهذي بأقوال ويحسب انها * آراء سقراط وأفلاطون
تخذوا العمامة حرفة وحلت بها * لذات عيش هانئ مضمون
وقال :
بسمة الفجر وائتلاف الغدير * بعثتها ضمامة من زهور
حبست زينب وليلى وسعدي * وسليمى في هالة من نور
مظهر للجلال مهبط وحي * صورة للملاك لطف شعور
سكنت والجمال يعلن عنها * فتنة العقل سكرة المخمور
أعيان الشيعة — صفحة 181
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص١٨١