[ من فوائد زيارة قبور الصالحين ] :
وقد ذكروا [ لها ] أسرارا عديدة وفوائد جديرة :
منها : الاتعاظ والتذكر برؤية مقابرهم وروضاتهم ، والعلم بأن الموت سبيل مسلوك لا يتخلف عن سلوكه أحد ، لأنه إذا كان هؤلاء - وهم من هم في القرب من مولاهم والمكانة منه - سلكوه ، فكيف بمن سواهم ؟ ! ! . وبالتذكر لهذا والاعتبار به تنجلي عن القلب القسوة ، وتنكشف عنه البلوة ، ويحصل لصاحبه الرغبة عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور ؛ فإنها تزهد في الدنيا ، وتذكر الآخرة » . وفي رواية : « ألا فزوروها ؛ فإنها ترق القلب ، وتدمع العين ، وتذكر الآخرة » ، وأنشدوا :
إن القساوة لا دواء لضرها * إلا زيارة ساكن الإلحاد
ولرب زورة عارف أربى الفتى * منها على العباد والزهاد
ولخير أعمال العباد جلوسهم * عند الولي هنية للصاد
قلت : وهذه الأبيات للفقيه الأديب الصوفي أبي عبد اللّه سيدي محمد الطيب بن مسعود المريني ، من جملة قصيدة له في الحث على زيارة الشيخ أين المحاسن الفاسي وحلول ضريحه ، وهي مكتوبة في جدار قبته .
ومنها : الاستمداد من بحر جودهم وكرمهم ، والاغتراف من فيض نوالهم وعطائهم .
ومنها : التعرض لنفحات الرحمة الإلهية ، والتطلب لعوارف المعارف الإحسانية ، إذ هم أبواب اللّه تعالى وبواب حضراته ، ويوجد عند أضرحتهم من الرحمات والبركات ما لا يوجد عند غيرها .
ومنها : التوسل بهم إلى اللّه تعالى ، والاستشفاع بهم إليه ؛ فإن شفاعتهم مقبولة ، وجاههم عند اللّه عظيم ، فلا يكاد يستشفع بجاههم أحد ويخيب . ومن جواب للشيخ التاودي - رحمه اللّه - مذكور في نوازله ما نصه : « وأما السر في زيارة الصالحين ؛ فلأنهم عباد اللّه المخلصون ، وأولياؤه المقربون ، فهم باب من أبواب رحمته ، وخلائف النبوءة ، وسر من أسرارها ، وانبسط عليهم [ 23 ] جاهها فيتوسل بهم إلى اللّه تعالى . . . » .
وفي " منهاج الفلاح " لابن عطاء اللّه : « وإياك أن تعتقد أنه لا يتوسل بالأنبياء والصالحين ؛ فإنهم جعلهم اللّه وسيلة إليه ، وكل كرامة منهم تصديق للنبي صلّى اللّه عليه وسلم » .