تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
من أحد فيهم في مسالة اعتقادية دينية يدل على قصور رتبة القادح وسوء الفهم وقلة انصافه . وأكد اختصاص صفة المؤمنين بالعرفاء في اسرار الآيات ص 8 بل لا يرى للفقهاء شانا في المعرفة والعلم والدين ، إذ هو من جهة ينقدهم في تعظيمهم للفقه ، ولا يرى من الجدير بالإنسان أن يصرف عمره فيه ، ومن جهة ثانية ينقد تهاونهم بالحكمة والفلسفة وأهلها ، مع ما يشكوه مر الشكوى في تحقيرهم له المبدأ والمعاد ص 278 إذ ما كان له عند الناس رتبة أدنى من آحاد طلبة العلم ، ولا عند العلماء الذين أكثرهم أشقى من الجهلاء قدر أقل تلاميذهم . وما أقسى كلمته عنهم : أكثرهم أشقى من الجهلاء . ولا ندري هل أن تحامل بعضهم عليه في مبدأ أمره هو الذي دفعه إلى تعميم هذا النقد القاسي أو أن تحامله عليهم هو الذي دفعهم إلى نقده وتوهينه . وعلى كل حال ، فهو لم يختص بنقد الفقهاء ، بل تجاوز إلى نقد جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وطرقهم ، من الحكماء أصحاب البحث والمتكلمين إلى المتصوفين والأطباء وعلماء اللغة والمؤرخين . بل اعتبر جميع الناس هالكين ، وإن الايمان الحقيقي في غاية الندرة بل لا يوجد في كل عصر إلا واحد أو اثنان أسرار الآيات له ص 7 بل عنده أكثر أهل الاسلام ظاهرا أهل الكفر والشرك باطنا . ولم يرض أن يشتغل أحد بغير الحكمة العرفانية ، وكل ما عداها علوم جزئية غير ضرورية الاشتغال بها مضيعة للعمر وابتعاد عن الوصول إلى النعيم الدائم ، فنقد ابن سينا الأسفار ج 4 ص 127 في اشتغاله بالعلوم الجزئية ، كاللغة ، ودقائق الحساب وفزار نماطيقي وموسيقى وتفاصيل المعالجات في الطب وذكر الأدوية المفردة والمعاجين وأحوال الدريانات والسموم والمراهم والمسهلات ومعالجة الفروح والجراحات . وكأنه إنما يعدد كل هذه التفاصيل لأجل توهينها في نظر القارئ وتسخيفها ، باعتبارها أمورا غير ضرورية والاشتغال بها اشتغال بأمور الدنيا وحبائلها ، مع أن ابن سينا في نظره يجب أن يكون معرضا عن الخلق طالبا للخلوة آنسا بالله آيسا عن غيره . ومن تهكماته في المشتغلين بغير الحكمة العرفانية قوله في أسرار الآيات ص 65 : إن كنت من أهله وإلا فغض بصرك عن مطالعة هذا الكتاب يعني أسرار الآيات والتدبر في غوامض القرآن . وعليك بممارسة القصص والأخبار والروايات وعلم السير والأنساب ، وتتبع العربية واللغة وتحمل الرواية من غير دراية ، وما هو عندك كالنتيجة للكل يعرض بما يذكره الفقهاء في علم الأصول من لزوم دراسة بعض العلوم مقدمة للفقه من البحث عن المسائل الفرعية الخلافية ، ونوادر تفريعات الطلاق والعتاق والسلم والرهن والإجارة وقسمة المواريث . . . . إلى أن يقول : وقد نصب الله لها كسائر الأمور التي هي أدون منزلة منها أقواما يعظمون الأمر فيها ويصرون عليها ويفرحون بها . وكل حزب بما لديهم فرحون . قيمة كل امرئ على قدر همته . وهكذا ينقم على الفقهاء علمهم ، كما ينقم على غيرهم . ولا يرضى بغير الحكمة علما وبغير الحكماء علماء . وهذا كله غلو مفرط في فلسفته ، ولا لوم على الفقهاء ولا على غيرهم إذا كان عندهم موضع التهمة والتجريح وفي الحقيقة لم يقسوا عليه كما قسا هو عليهم . وإذا أردنا أن نأخذ برأيه كله في هذا الباب لوجب أن نعطل جميع المعارف والعلوم وجميع الأعمال والمكاسب وجميع الأمور المدنية ، ليبقى الانسان معتكفا في الكهوف منتظرا للواردات القلبية والمشاهدات العقلية ، فيكون على حد تعبيره صوفيا صفا قلبه وحظي ضميره من كل شوب وغرض . كان المنتظر من صاحبنا كفيلسوف خبر النفس الانسانية ومتطلباتها أن تكون نظرته إلى الانسان الاجتماعي بالطبع غير هذه النظرة الأنانية المتشائمة . والمنتظر منه كمسلم عرف الشريعة الاسلامية وما وضعت للبشر من تكاليف وأنظمة وقوانين أن يكون حكمه على الانسان غير هذا الحكم الرهباني الذي ما انزل الله به من سلطان . وعلى كل حال ، فإنه وهو يعرف أن كل انسان ميسر لما خلق له كما كرر ذلك في كتبه كان يجب أن تكون نظرته إلى أفراد الناس أكثر تقديرا للواقع ، وإنصافا في الحكم وحبا في الخير ولا يبرر تحامله على الناس ذلك التحامل القاسي أنه لاقى عنتا منهم أشرقه بريقه ، فان هذا ليس من شيمة العلماء الآلهيين الذين يتطلبون صلاح البشر وهدايتهم إلى الله تعالى . فلا ينبغي أن ينتقم لنفسه منهم . وإذا كان قصده إقلاعهم عما هو عليه وإقبالهم على الحكمة والمعرفة الفلسفية فليس هذا طريق ترغيب البشر وتحبيذ سبل النجاة لهم بالعنف والشتم والتحقير . بل يلزم للمرشد الهادي أن يأخذ بأيدي الناس إلى الخير بالرفق والشفقة والمحبة . وأكبر الظن أن فيلسوفنا كان مصابا بكبت عنيف نتيجة لحرمان قاس . وهو الذي دفعه فيما أظن إلى العزلة الطويلة في الجبال النائية خمسة عشر عاما كما تحدثنا عنه في الفصول السابقة ، ودفعه إلى النفرة من الناس والنظر إليهم بمنظار أسود قاتم . وإن كنت لم أستطع أن أقف على ظروفه الخاصة ، لا حكم على مصدر ذلك الكبت ونوع ذلك الحرمان . ولعل ذلك الكبت قد رافقه منذ الصغر ، وهذا الذي حدد له اتجاهه الفلسفي وطريقته العرفانية الصوفية . وإن كان قد يعتقد هو أن تفكيره وعقله الواعي هو الذي ساقه إلى اختيار هذا السبيل . وقد نجد ما يشير إلى ذلك الكبت والحرمان إعلانه للتذمر والنقمة والقسوة في النقد كلما وجد لذلك مجالا على الفقهاء على المتكلمين ، على الحكماء ، على الصوفية . وتكاد تكون أكثر تلك الاندفاعات لا شعورية منبعثة من عقله الباطن .