تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الوحدة ولم يروا سوى الله اما الكامل الراسخ فهو ذو العينين السليمتين : ويعلم أن كل ممكن زوج تركيبي له وجهان ، وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ، فبالعين اليمنى ينظر إلى وجه الحق اي وجه ربه فيعلم أنه الفائض على كل شئ والظاهر في كل شئ فيعود اليه كل خير وكمال وفضيلة وجمال . وبالعين اليسرى ينظر إلى الخلق اي وجه نفسه ويعلم أنه ليس له حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ولا شان الا قابلية الشؤون والتجليات وفي ذواتها اعدام ونقائص ، قائلا لسان مقاله طبق لسان حاله : رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها وتشاكل الامر فكأنه خمر ولا قدح * وكأنه قدح ولا خمر والسر في ذلك : أن الوجودات وأن تكثرت وتمايزت الا أنها من مراتب تعينات الحق الأول وظهورات نوره وشؤونات ذاته . لا أنها أمور مستقلة وذوات منفصلة باعتبار أنها معلولة للحق الأول والمعلول طور من أطوار العلة وشان من شؤونها فالوجود الحقيقي ظاهر بذاته بجميع أنواع الظهور ومظهر لغيره ، وبه تظهر الماهيات ، وله ومعه ، وفيه ، ومنه . ولولا ظهوره في ذوات الأكوان واظهاره لنفسه بالذات ولها بالعرض لما كانت ظاهرة موجودة بوجه من الوجوه ، بل كانت باقية في حجاب العدم وظلمة الاختفاء . ويستشهد دائما بكلمات أمير المؤمنين ع لأداء هذا الغرض كقوله : هو مع كل شئ لا بمقارنة وفي كلمة أخرى لا بممازجة وغير كل شئ لا بمزايلة وفي حكمة أخرى لا بمباينة لأن وجوده منبسط على جميع الكائنات ، وجميع الموجودات انما هي رشحات نوره ، وإن كان كل موجود بحدوده العدمية وبقيوده الإمكانية غير الله تعالى . ويضرب لذلك أمثلة في الاسفار لتقريب هذا المعنى يطول ذكرها ، كتقريبه بانبساط نور الشمس على المرئيات ، وبصورة المرآة وبأمواج البحر . وعلى كل حال فالمترجم يتفق مع القائلين بتعدد الوجود والموجود من دون تجوز ، ولكن لما كان كل وجود معلولا فهو في حد ذاته متعلق بغيره ومرتبط به ، فيجب أن تكون ذاته الوجودية ذاتا تعليقة وجوده وجودا تعليقا ، لا بمعنى أنه شئ وذلك تكون ذاته الوجودية ذاتا تعلقية وجوده وجودا تعلقيا ، لا بمعنى أنه شئ وذلك الشئ موصوف بالتعلق ، بل هو بما هو عين معنى التعلق بشئ . إلى أن يقول : ولا يمكن للعقل أن يشير في المعلول إلى هوية منفصلة عن هوية موجده حتى تكون هناك هويتان مستقلتان في الإشارة العقلية إحداهما مفيضة والأخرى مفاضة . ويتفق أيضا مع المتصوفة في القول بوحدة الوجود والموجود من دون تجوز ، ولكن لا بان يفهم من ذلك الحلول والاتحاد لأن ذلك معناه الاثنينية في أصل الوجود ولا بان يفهم أن الممكنات اعتبارات محضة ، كيف وأن لكل منها آثارا مخصوصة واحكاما خاصة ولا نعني بالحقيقة الا ما يكون مبدأ اثر خارجي ولا نعني بالكثرة الا ما يوجب تعدد الاحكام والآثار ، فكيف يكون الممكن لا شيئا في الخارج ولا موجودا فيه . والحاصل إذا ثبت تناهي سلسلة الموجودات إلى حقيقة واحدة بسيطة ظهر أن لجميع الموجودات إلى حقيقة واحدة هي الموجودة لها ذاته بذاته وجود وموجود وموجد . فهو الحقيقة ، والباقي شؤونه . فهذا هو معنى وحدة الوجود والموجود : أن الوجود والموجود المستغني بذاته واحد لا شريك له ، وهو الذي يصدق عليه أنه وجود وموجود وموجد بنفس ذاته لا بجعل جاعل وليس هو الا الواجب تعالى . وما سواه فهو محض الفقر والفاقة والتعلق والارتباط بالواجب لا استقلال له في الوجود . وهذا معنى المجاز العرفاني . وفي الحقيقة ليس هذا قولا بوحدة الوجود ، ولا ينبغي التعبير عنه بوحدة الوجود ، كما لم يعبر هو . وانما هو قول بالتوحيد الخاص أو الأخصي ولسنا أعداء لكلمة التوحيد . بل أعداء الاتحاد . قال في المشاعر ص 83 : إياك أن تزل قدمك من استماع هذه العبارات وتتوهم أن نسبة الممكنات اليه تعالى بالحلول أو الاتحاد ونحوهما ، هيهات ! أن هذه تقتضي الاثنينية في أصل الوجود . وإذا سلم صاحبنا من هذه المؤاخذة فكل مؤاخذة أخرى يهون امرها ، وليس الانسان معصوما من الخطأ . رأيه في ابن عربي يكثر من النقل عن محيي الدين بن عربي المتوفى سنة 638 في جميع كتبه ولا يذكره الا بالتقديس والتعظيم ، كالتعبير عنه بالحكيم العارف والشيخ الجليل المحقق ونحو ذلك . بل في بعض المواضع ما يشعر بان قوله عنده من النصوص الدينية التي يجب التصديق بها ولا يحتمل فيها الخطأ . هذا رأيه فيه ، بينما أن ابن عربي هذا سماه بعض الفقهاء بمميث الدين أو ماحي الدين بل قيل : أن كل من يرى في ابن عربي حسن اعتقاد ويعتقد بآرائه فان الفقهاء لا بد أن يعدوه كافرا ولئن دافع عنه القاضي السيد نور الدين التستري في مجالس المؤمنين وأول كثرا من كلماته ، فان صاحب الوضات ص 705 لم يرضه ذلك ، وقال : لو كان الامر كذلك لما بقي على وجه الأرض كافر ولا هالك وكان المترجم استشعر هذه المؤاخذة عليه ، فاعتذر عن ذلك في شرحه لأصول الكافي الذي له قراء مخصوصون غير قراء كتبه الفلسفية ، فقال في مقدمته ص 5 : وليعذرني إخواننا أصحاب الفرقة الناجية ما أفعله في أثناء الشرح وتحقيق الكلام وتبيين المرام من الاستشهاد بكلام بعض المشايع المشهورين عند الناس وأن لم يكن مرضي الحال عندهم ، نظرا إلى ما قال امامنا أمير المؤمنين ع : لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال وطبعا لم يقصد ببعض المشايخ غير ابن عربي لأنه لا يستشهد بكلام غيره من مشايخ الصوفية الا نادرا جدا . ولكن هذا الاعتذار ، وتبريره بقول أمير المؤمنين ع لم يرفع
هامش
( 1 ) نفس المصدر 196 . ( 2 ) نفس المصدر ص 16 ( 3 ) نفس المصدر 15 ( 4 ) نفس المصدر 15 ( 5 ) الاسفار ( 1 : 19 ) ( 6 ) تفسير الفاتحة ص 15 ( 7 ) الروضات ص 705 ( 8 ) قصص العلماء ص 253 ( 9 ) من هذه العبارة نستشعر جهة المؤاخذة عليه في اعتماده على ابن عربي
أعيان الشيعة — صفحة 328 | السيد محسن الأمين / حسن الأمين