المرحلة الثانية . وهي دور العزلة والانقطاع إلى العبادة في بعض
الجبال النائية ، وقيل إنها كهيك من قرى قم وانه استقام في هذه
العزلة خمسة عشر عاما . وهي مدة طويلة . وقد حكى لنا قصة هذه الفترة
من حياته في مقدمة الاسفار وغيرها ، فإنه كما يقول لما رأى الحال على
ذلك المنوال من خلو الديار من أهل المعرفة وضياع السير العادلة وإشاعة
الآراء الباطلة ، ضرب صفحا عن أبناء الزمان والتجأ إلى أن ينزوي في
بعض نواحي الديار ، منكسر البال منقطع الال متوفرا إلى العبادة ، لا على
درس يلقيه ولا تأليف يتصرف فيه .
ويعلل عدم توفره على الدرس والتأليف على عادته في التسجيع
بان هذه أمور تحتاج إلى تصفية الفكر وتهذيب الخيال عما يوجب الملال
والاختلال ، وتحتاج إلى فراع البال . ولا تحصل هذه الأشياء لمن يسمع
ويرى من أهل الزمان من قلة الانصاف وكثرة الاعتساف ، وخفض الأعالي
والأفاضل ورفع الأداني والأراذل ، وظهور الجاهل والعامي على صورة العالم
النحرير وهيئة الحبر الخبير ، إلى غير ذلك من القبائح والمفاسد .
وهكذا يتشكى من أبناء زمانه ومثلهم أبناء كل زمان ، ولم يبين
نوع تلك الاعتسافات التي كان يلاقيها . ولكنها على كل حال أرهقته حتى
طفق يرتئي بين ان يصول بيد جذاء وما أدري هل كان يريد أن يعارك أبناء
الزمان بالسيف ويجاهدهم ؟ ، أو يصبر على سطحية عمياء . فرأى بالأخير
ان الصبر على هاتي أحجى ، فصبر ، وفي العين قذى وفي الحلق أشجى ،
اتباعا كما قال لسيرة أمير المؤمنين ع واقتداء به فامسك عن الاشتغال
بالناس ، واختار العزلة والاستناد مديدا وأمدا بعيدا وقد قلنا إن هذا
الأمد البعيد قدر ب " 15 عاما .
وهو في كل هذا الأمد البعيد ليس له شغل وعمل الا العبادة
والمجاهدات والرياضات ، متوجها توجها غريزيا إلى مسبب الأسباب ،
ومتضرعا تضرعا جبليا إلى مسهل الأمور الصعاب على حد تعبيره
وهو يعتقد ان الانسان يتمكن من الحصول على العلم اللدني
والانكشاف اليقيني ، بطول المجاهدات والانقطاع إلى الله تعالى ، بعد
تصفية الباطن ورفع الحجب عن النفس . لذلك قال نتيجة لتلك
العزلة : اشتعلت نفسي لطول المجاهدات ، والتهب قلبي لكثرة
الرياضات التهابا قويا ، ففاضت عليها أنوار الملكوت وحلت بها خبايا
الجبروت ، ولحقتها الأضواء الأحدية وتداركتها الالطاف الآلهية . فاطلعت
على اسرار لم أكن اطلعت عليها إلى الآن ، وانكشفت لي رموز لم تكن
منكشفة هذا الانكشاف من البرهان بل كل ما علمته من قبل بالبرهان
عاينته مع زوائد بالشهود والأعيان . . . . وهكذا يكرر هذا المعنى في كثير
من مؤلفاته .
ولما حصلت له هذه الحالة النفسية نتيجة لتلك العزلة انفتح له ان
ينتقل إلى :
المرحلة الثالثة . وهي دور التاليف ، إذ ألهمه الله تعالى الإفاضة
مما شعر به في المرحلة الثانية جرعة للعطاش الطالبين ، فبلغ الكتاب
اجله ، وأراد الله تقديمه وقد كان أجله هكذا يقول . ورأى أن يخرجه
من القوة إلى الفعل ، ونهضت عزيمته بعد ما كانت قاعدة واهتز الخامد من
نشاطه .
فصنف كتابا إلهيا ، ويعني به الاسفار . وهو أول كتبه بعد تلك
العزلة الطويلة ويظهر انه أشغل في تأليفه وهو لا يزال في موطن عزلته .
ولم يصنف كتابا قبله فيما عثرنا على نصوصه غير ثلاث رسائل ، إذ
أشار إليها في الاسفار ، وهي رسالة طرح الكونين 1 : 10 ورسالة حل
الاشكالات الفلكية في الإرادة الجزافية 1 : 176 ورسالة حدوث العالم
1 : 233 ، وان كان هذا ليس دليلا وحده على سبقها على الاسفار
بمجرد الإشارة إليها فيه ، لأنه في رسالة الحدوث أيضا يشير إلى الاسفار
نفسه ، والى الشواهد الربوبية مع أنه قيل إنه آخر مؤلفاته ، وذلك ص 22
من الرسالة .
ولعله يدخل الإشارة إلى كتبه الأخرى بعد تأليف الكتاب بمدة ،
فذكر الإشارة إلى كتاب في كتاب آخر لا يعنى سبق تأليف ما أشار اليه .
وفيما أظن أن الرسالة الوحيدة التي سبقت تأليف الاسفار ووقعت في
المرحلة الأولى ، هي رسالة سريان الوجود التي سيأتي ذكرها في
مؤلفاته ، لاشتمالها على آراء في الوجود عدل عنها في الاسفار ، كما أظن أنها
نفس رسالة طرح الكونين .
وعلى كل حال ، فان كتاب الاسفار هو أول مصنفاته في المرحلة
الثالثة من حياته وهي مرحلة التاليف . وقد شحنه بكل ما عنده من أفكار
وآراء ومكاشفات وشواهد ربوبية وواردات قلبية ومشاعر إلهية . وكل كتاب
ألفه وكل رسالة صنعها بعد ذلك فالجميع مجرد منه ، ومقتبس من عباراته
وآرائه . ولذا قلنا إنه الأم لباقي مؤلفاته ، حتى كتب التفسير التي ألفها
على ما يظهر لغرض تطبيق فلسفته على القرآن الكريم .
وإذا انتهينا إلى هنا فإنه يحسن بنا ان نتحدث عن مدرسته العلمية
التي كان يدعو إليها :
مدرسته العلمية
ان المترجم يرى أن المعرفة تحصل من طريقين : طريق البحث
والتعلم والتعليم الذي يستند على الأقيسة والمقدمات المنطقية ، وطريق
العلم اللدني الذي يحصل من طريق الالهام والكشف والحدس . وهذا
الأخير انما يحصل بسبب تجريد النفس عن شهواتها ولذائذها والتخلص من
أدران الدنيا وأوساخها ، فتنجلي مرآتها الصقيلة وتنطبع عليها صور حقائق
الأشياء كما هي إذ تتحد النفس بالعقل الفعال حينما تحدث لها فطرة ثانية
بذلك .
ويرى ان الفرق بين العلمين كالفرق بين علم من يعلم الحلاوة
بالوصف وبين علم من يعلمها بالذوق . وان الثاني أقوى واحكم ، ويمكن
وقوعه ، بل هو واقع للأنبياء والأوصياء والأولياء والعرفاء .
قال في مفاتيح الغيب في المشهد الثامن من المفتاح الثالث : ان
كثيرا من المنتسبين إلى العلم ينكرون العلم الغيبي الدني الذي يعتمد عليه
السلاك والعرفاء . وهو أقوى واحكم من سائر العلوم ، قائلين : ما معنى
العلم الا الذي يحصل من تعلم أو فكر وروية .
هامش
( 1 ) راجع سفينة البحار ( ج 2 . ص 17 ) في الحاشية
( 2 ) راجع حاشية سفينة البحار ( 2 : 17 )