ومن المناسبات اللطيفة أنه ضاق به الحال بالمدينة المنورة ، وكلما أتى للدنيا من جهة تجذبه عنها أخرى . ومن عادة أهل المدينة المنورة أنهم يعتنون بقراءة مناقب الصحابة والأولياء ليلة أحوالهم الشهيرة ، ويجتمعون لذلك ، وكان إذ ذاك دليوار باشا الطواشي الحبشي متوليا مشيخة الحرم النبوي ، ورفعة آغا كان نائب الحرم أيضا ، فاجتهد الشيخ حسنين المذكور في أن جمع لسيدنا بلال الحبشي ، صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مناقب في كراسة ، وذكر فضله وفضل الحبشة ، وفضل أجناس الحبوش ، وميزهم ، وجعل جنس دليوار باشا أنهم المقدمون في الفضيلة وشرف النفس ؛ ثم دخل على الباشا المذكور ، وكان قبل ذلك لا يعبأ به لفقره ، فبعد أن سلم وجلس قال له الشيخ :
أفندينا ، لأي شيء أهل المدينة المنورة يعتنون بمناقب الصحابة ؟ وجدّكم سيدنا بلال لا يعتنون به ، وليس له مناقب مختصة مستقلة ؛ فقال له الباشا المذكور : عجبا ، ذكّرتني ، لم ذلك ؟ وأقبل عليه بالكلية .
قال له الشيخ : ولكني فعلت ذلك ، واجتهدت / فسرّ الباشا المذكور ، وجمع لذلك كافة أهل المدينة ، وجعلها ليلة عظيمة ، بالشموع والزينة ، وجمع أغوات الحرم الشريف ، وخلع عليه خلعة سنية ، وصرة بهيّة ، ورتّب له ما يكفيه « 1 » وأعطاه بيتا سكن فيه ، وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها « 2 » ، ولا يخفى ما في فضل الحبوش
هامش
( 1 ) أي قرر له راتبا شهريا .
( 2 ) الحذافير : ج حذفور ، وهو الشيء الكثير ، ويقال : أخذ بحذفوره وبحذفاره وبحذافيره : أي بأسره وبجوانبه أو بأعاليه ونواحيه .