بعيون من الفجيعة عبرى * ودموع كمزنة تتهامى
لو أعالي لبنان يشعرن فيه * ساعة اجتاز لأنحنين احتراما
يا أبا السادة الأماجد عذرا * ولو أن الوفا يراني ملاما
من نجوم السماء صغت رثائي * لك لو انني استطعت القياما
خلت الشام من وجودك فيها * بعد ما فيك قد غبطنا الشاما
وبكتك المدارس اللات في مسعاك * شيدتها بكاء اليتامى
ولقد عشت في الحياة صريحا * لا تماري ولا تجاري الطغاما
لست أنساك قابعا في ظلام الليل * والناس هاجعين نياما
بين صفين من تأليف شتى * قد تكدسن كالنضار ركاما
قد حرمت الرقاد عينيك حتى * لم تدعه يزور الا لماما
كنت لا تمسك اليراعة الا * ونسيت الأوصاب والآلاما
وإذا بارك الاله حياة * زادها الشيب قوة واعتزاما
لك سفر تركته كهلال * كان لولا القضاء بدرا تماما
صدع البرق في نعيك وجه * الصبح فاقتم عارضاه وغاما
وسواد العراق من جانبيه * اقعد الخطب أهله وأقاما
الأسى بالغ عليك ذراه * ومراثيك ما بلغن المراما
وأقيمت مأتم لك فيه * سوف تحيي ذكراك عاما فعاما
هاك خذها مرثية لك مني * كنسيم الصبا ونشر الخزامي
وسلاما من مخلص لك يهديه * ولو بت في التراب رماما
وله من قصيدة عنوانها :
في السينما
خلطاء من كل فج حضور * وصفوف كما تصف السطور
فكأني بهم قصيدة شعر * راق فيها التجنيس والتشطير
من ملاح الوجوه ألفاظها صيغت * وأوحى بنظمها الديجور
ذاك شعر تقوم منه مقام اللفظ * غيداء أو غزال غرير
ذو معان نقيض بالسحر حتى * الجواسي كأنه مسحور
مجمع كان حافلا بشباب * ليس فيهم سواي شيخ كبير
غمر البشر منهم كل وجه * غير وجهي من دونهم والحبور
يتلظى دم الفتوة فيه * فهو والعطر مجمر وبخور
ليت شعري وفي التصنع سحر * أأناث جميعهم أم ذكور
وكأن الألواج منها عشوش * وكأن الجلاس فيها طيور
واستحالت تلك الكراسي بروجا * بزغت أنجم بها وبدور
وحديث عن الرواية مغر * كان يجري ما بينهم ويدور
بعض ذاك الحديث همس * وبعض عنه تحكي سواعد وخصور
وتلفت بعد ذلك حولي * ومن الالتفات ما يستثير
فرأيت العيون ترنو إلى الساعة * شزرا وما بها تأخير
ترقب الوقت حين تخفى المصابيح * ويبدو على السناء نور
ثم لما تجسمت صور الحب * عليه وراقها التصوير
والتباريح قد فسحن مجالا * تتلاقى للرشف فيه الثغور
وتصدى الهوى هنالك يوحي * بين أهليه ما تكن الصدور
سبح المفكر في الخيال وخفت * كالقطا أنفس فكادت تطير
وسقتها تلك المناظر كأسا * دونها ما تشف عنه الخمور
تتغذى الأرواح فيها ولكن * ربما استهوت الجياع القشور
واستمرت تعاقر الكاس حتى * انطفا الضوء واختفى المنظور
فكانا كنا امام سراب * غر مرآه والحياة غرور
كنت ما بين منظرين امامي * منظر يوقظ الهوى فيثور
وحوالي منظر جال فيه * بعض فكري فراعني التفكير
لم أفارق تلك المشاهد حتى * عرفتني ما ذا يكون المصير
وقال :
أضحكتنا ورب ضحك بكاء * فترة من زمانا رعناء
فترة ضاعت المقاييس بين * الناس فيها وسادت الأهواء
خلقت من خشارة الناس رهطا * عرفت بعد خلقه الآباء
لمة من بني الشوارع عاشت * حيث عاش الأعيار واللقطاء
فتحت عينها على السغب المر * فكانت أن تيبس الأمعاء
حشرات طلعن من طبقات * الأرض لما استتبت الظلماء
وجراثيم حين لاءمها الماء * تفشى من سمهن الوباء
رفعتها من الحضيض ولم تر * فع نهاها فمسها الخيلاء
وكذلك اعتلاء من ليس اهلا * للمعالي مصيبة وبلاء
يا لها فترة من الدهر فوضى * يستوي الهدم عندها والبناء
كثر الانتحال فيها وباتت * تستغل الأنساب والأسماء
لم يفيئوا إلى التنحل لولا * انهم في أصولهم فقراء
ليت شعري والعهد غير بعيد * غبي الناس أم هم الأغبياء ؟
وبماضيهم إذا الدور ولى * فالأولى يعرفونهم احياء
صحبوا حملة الغزاة فجاءوا * مثلما يصحب السيول الغثاء
وبأسلاب غيرهم من ضحايا * الظلم عاشوا وعاشت الأبناء
الاشباع جوع نكرات * سفكت في البلاد تلك الدماء ؟
يا لسخرية المقادير فينا * لست أدري أما إليها انتهاء ؟
كيف لا ترقبن كل عثار * من قصير عليه طال الرداء ؟
باع من فقره الضمير كما باعت * لزان عفافها عذراء ؟
غره المرتقى فظن بان * الناس حاشاه اعبد وإماء
وله وحده الكرامة والعزة * والمجد والنهى والعلاء
تقرأ العجب فيه من نظرات * ملؤها الاحتقار والازدراء
مطرق أن مشى كمن أشغلته * لحلول المشاكل الآراء
لو تصفحته وجدت ثيابا * فوق جسم كأنه المومياء
وكثيرون لو تطلعت فيهم * كأساق في جوفهن هواء
مجدبا كالسباخ من كل خير * جل ما في جرابه الكبرياء
أن تسل منه فالجواب اقتضاب * أو تسلم فرده ايماء
أو ترجوه من المغايض زهرا * ونبات المغايض الحلفاء ؟
يوجد الخير حيث يوجد في المرء * ضمير يشع منه الضياء
وإذا ما استنسبته قال : انا * من اياد وغيرنا الأدعياء
نحن من حاملي اللواء بذي قار * أبونا وامنا البرشاء
وبنو عمنا الأرقام من * تغلب والأعشيان والخنساء
دارنا الغور والعذيب ووادي * الجزع والأبرقان والدهناء
وجبال السراة تشهد انا * عرب ليس غيرنا عرباء
هكذا تفعل المهازل في الدنيا * وتقضي الغباوة العمياء
أعيان الشيعة — صفحة 441
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٤٤١