فلي من لاعج الزفرات زاد * ولي من سافح العبرات سرب
وبين القلب والأشجان سلم * وبين النوم والأجفان حرب
وليس هوى المهى الا عذاب * ولكن العذاب بهن عذب
لحا الله الحوادث كم رمتني * بفادحة لها ظهري أجب
وكتب الشيخ عباس إلى عبد الباقي العمري بهذين البيتين :
أبثك يا أبا سلمان وجدا * فصاراه عداك الخطب هلك
وأشكو من جفاك إليك مآبي * وهل شاك إليك ومنك يشكو
فاجابه عبد الباقي بقوله :
إليك أبا الأمين أبث وجدا * بدايته غشاك الستر هتك
بنفسي أنت قمت مقام نفسي * لذلك صرت مني إلي تشكو
كذا وجد والأحسن ان يقول : لذا مني * إلي غدوت تشكو
وكتب إليه الشيخ عباس أيضا وقد زاره فلم يجده :
أبا الحسين برغمي ان أزورك من * فج عميق ولا أحظى بلقياكا
لكن يهون عندي الخطب اني قد * شاهدت مذ فاتني معناك مغناكا
وله أيضا :
شام بالأبرقين برقا فهاما * وامق هاج صبوة وغراما
ذكرته الصبا ليالي انس * سلفت بالحمى فزاد هياما
حبذا بالحمى زمان تقضى * بين تلك الشعاب لو كان داما
كم به جاد لي الحبيب بوصل * وبه نلت من زماني المراما
افتدي شادنا إذا ما تثنى * أخجل السمر والغصون قواما
فأم يسعى بأكؤس كالدراري * للندامى تنقض جاما فجاما
فسقاني كأسا به عدت حيا * بعد ما كدت ان ألاقي الحماما
كأس راح تريح قلب المعنى * ان تجلت له وتبري السقاما
فترى الشمس ان أدار مداما * وترى البدر ان أماط لثاما
هاتها هاتها فقد حللتها * حرمات الهوى وكانت حراما
ذمة للهوى إذا لم تراعيها * فمن ذا الذي يراعي ذماما
سعد غن لي بذكر الغواني * فالعنا زال والسرور أقاما
أو ما تبصر الرياض ابتهاجا * اطلعت من جيوبها الأكماما
وغصون الهنا تميس ارتياحا * وثغور السعود تبدي ابتساما
وله :
حي بالرقمتين حيا أقاموا * حبذا منزل لهم ومقام
أنعموا بالوصال عيني زمانا * ثم صدوا فصد عنها المنام
وصلوني حتى إذا ملكوا القلب * جفوني فاعتاد جسمي السقام
لم يراعوا الوداع ذماما * لمحب وللمحب ذمام
أمن العدل انهم يوم بانوا * أيقظوا جفني القريح وناموا
ضربوا في ربى زرود خياما * لا تناءت تلك الربى والخيام
ما حنيني إلى زرود ولا رامة * لولاكم ما بها لي مرام
انما أنتم المنى حيث كنتم * ولقلبي اني أقمتم هيام
فسلام على الغميم إذا ما * فيه كنتم ولا عداه الغمام
وإذا في دار السلام أقمتم * فعلى ذلك المقام السلام
يا خليلي والهوى خلياني * ان مثلي على الهوى لا يلام
واسعداني على البكا فجفوني * نزفت ماءها الدموع السجام
لست اصغي لا والهوى لعذول * كيف يصغي لعاذل مستهام
أهل ودي هل يسمح الدهر يوما * بلقاكم وتسعف الأيام
عللونا ولو بطيف خيال * على يطفا بين الضلوع أوام
قد سئمنا من الحياة وملت * لنواكم أرواحها الأجسام
لم يدع قط صدكم لي حياة * انما الصد للمحب حمام
نم دمعي على هواكم والدمع * على كل ذي هوى نمام
شاطرتكم عواذلي بعذابي * فتقاسمن جسمي الأسقام
بي من الوجد والصبابة ما لو * بشمام لماد منه شمام
كبد بالجوى تشب وجسم * ناحل شفه الجوى والسقام
وجفون قريحة وسهاد * وعويل وزفرة وضرام
وفؤاد يحن شوقا إليكم * كلما ناح في الغصون حمام
لي فيكم بدر سباني سناه * لو تجلى للناسكين لهاموا
بظلام من فاحم الشعر داج * وجبين ينجاب عنه الظلام
وقوام تخاله الغصن لينا * ان تثنى سباك ذاك القوام
لا تطيب المدام عندي ولكن * من لمى ريقه تطيب المدام
كم رمتنا الحاظة بسهام * ما درينا ان اللحظ سهام
مقل كالحسام تفتك لكن * ليس تنبو يوما وينبو الحسام
يا حبيبا لديه قتلي مباح * في سبيل الهوى ووصلي حرام
منك شمس الضحى استمدت سناها * واستعارت الحاظها الآرام
لي قلب يغرى بحبك مهما * عنف العاذلون فيك ولاموا
يعذب اللوم فيك وهو عذاب * فليلمني بحبك اللوام
أنت دون الأنام مالك رقي * وقيادي وتحت رقي الأنام
لك ألقى الهوى زمامي وقدما * انا ممن يلقى إليه الزمام
كيف يستامني الزمان هوانا * أومثلي على الهوان يسام
لي نفس تأبى المقام على الذل * ولو أنها هلاها الحسام
ومما قاله عبد الباقي العمري مادحا الشيخ عباس صاحب
الترجمة
بروحي غريرا بالرصافة قلبه * لدى ظبية لمياء خلفه رهنا
وقالبه في الكرخ علم أهله * فنون جنون وهو في غيرهم جنا
له في الهوى العذري عذر إذا لوى * لبان ألوى عطفا وحن إلى المغنى
أتشجيه سعدي والرباب وانه * يحاول ان يقضي اللبانة من لبنى
إذا ما انتضى من جفن عينيه مرهفا * رجوت فؤادي ان يكون له جفنا
يميت ويحيى هجره ووصاله * فلي قربه أبقى ولي بعده افنى
يعيد ويبدي من طوته يد النوى * وأخنى عليه ما على لبد اخنى
تكلم عيناه القلوب بغمزها * وتتلو إلى السلوان ان عدتم عدنا
وهيهات عن قلبي تطيش سهامه * وقد صار منه قاب قوسين أو أدنى
يغادرنا والغدر ملء جفونه * ويتركنا ما دام منفصلا عنا
نحورا بلا عقد كؤوسا بلا طلى * جسوما بلا روح حروفا بلا معنى
تغيب به عنا إذا كان حاضرا * وان غاب عنا مثل غيبته غبنا
ترينا نعيما بعد بؤس شؤونه * فمن سيرة حزنا ومن صورة حسنا
ومن قسوة لينا ومن سخط رضى * ومن كدر صفوا ومن بخل منا
هامش
( 1 ) هذا ما رأيناه في مسوده الكتاب ، والقصيدة ليست في المدح ولا شك ان هناك اشتباها " ح "