وفي رواية كان على قصبته فلمّا قالوا له : أجب الأمير عدّا على القصبة إلى أن بلغ إليه فسلّم عليه الرشيد . فأجابه . فقال له الرشيد : كنت مشتاقا إليك . قال : لكنّى لم أسمو إليك . قال : عظني يا بهلول . قال : وبما أعظك هذه قصورهم ، وهذه قبورهم قال له الرشيد : زدني فقد أحسنت . فقال : أيّما رجل أتاه اللّه مالا وجمالا وسلطانا فانفق له ماله ، وعفّ جماله ، وعدل له في سلطانه كتب في خالص ديوان اللّه تعالى من الأبرار فقال الرشيد : أحسنت أحسنت يا بهلول كيف أنت مع الجائزة . قال :
أردد الجائزة على من أخذتها منه . فلا حاجة لي فيها قال : يا بهلول فإن يك عليك دين قضينا . قال : يا أمير المؤمنين هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون أجمعت آرائهم على أنّ قضاء الدين بالدين لا يجوز قال : يا بهلول فنجرى عليك بما يقوتك ويقيمك .
فرفع البهلول طرفه إلى السماء ، وقال يا أمير المؤمنين : أنا وأنت من عيال اللّه . فمحال أن يذكرك وينسانى . فأسبل هارون السجاف ، ومضى .
وفي بعض مجاميع الأصحاب أنّ بهلولا كان يجمع ما يوهب له عند مولاة من كندة ، وكانت له كالامّ ، وربّما أخفى عنها شيئا ، ودفنه فجاء يوما بعشرة دراهم كانت معه إلى خربة . فدفنها ورآه رجل . فلمّا خرج ذهب الرجل وأخذ الدراهم ، وعاد بهلول . فلم يجدها ، وكان قد رأى الرجل يوم دفنها . فعلم أنّه أخذها . فجاء إليه ، وقال : يا أخي إنّ لي دراهم مدفونة في مواضع كثيرة متفرّقه وأريد أن أجمعها في موضع دفنت فيه هذه الأيّام عشرة دراهم فإنّه أحرز من كلّ موضع . فأحسب كم تبلغ جملتها قال : هات قال : خذ عشرين درهما في موضع كذا ، وخمسين في موضع حتّى طرح عليه مقدار ثلاثمائة درهم ، وقام من بين يديه ومرّ فقال الرجل في نفسه :
الصواب أن أردّ العشرة إلى موضعها حتّى يجمع إليها هذه الجملة . ثمّ أخذها كلّها فردّها وجاء بهلول ، فدخل الخربة وأخذ الدراهم ، وخرء مكانها ، وغطّاها بالتراب ومرّ وكان الرجل يترصّد البهلول وقت دخوله وخروجه . فلمّا خرج مرّ بعجلة فكشف عن الموضع . فتلوّثت يده بالخرء ، ولم يجد شيئا . ففطن بحيلة بهلول عليه .
ثمّ إنّ بهلول عاد إليه بعد أيّام فقال ، احسب يا سيّدى عشرين درهما ، وخمسة عشر
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 151
مساهمون: السيد محمد باقر الخوانساري
ص١٥١