الفصل الثالث في تقسيم العلم
قالوا : للعلم تقسيمات .
[ التقسيم ] الأول : إلى الحصولي والحضوري .
فالحصولي : هو بحصول صورة الشيء عند المدرك ويسمى بالعلم الانطباعي أيضا ، لأن حصول هذا العلم بالشيء إنما يتحقق بعد انتقاش صورة ذلك الشيء في الذهن لا بمجرد حضور ذلك الشيء عند العالم .
والحضوري : هو بحضور الأشياء أنفسها عند العالم كعلمنا بذواتنا والأمور القائمة بها ، ومن هذا القبيل علمه تعالى بذاته وبسائر المعلومات .
ومنهم من أنكر العلم الحضوري وقال : إن العلم بأنفسنا وصفاتنا النفسانية أيضا حصولي ، وكذلك علم الواجب تعالى ، وقيل : علمه تعالى بحصول الصورة في المجردات .
فإن جعل التعريف للمعنى الأعم الشامل للحضوري والحصولي بأنواعه الأربعة من الإحساس وغيره وبما يكون نفس المدرك وغيره فالمراد بالعقل الذات المجردة ومطلق المدرك ، وبالصورة ما يعم الخارجية والذهنية أي ما يتميز به الشيء مطلقا ، وبالحصول الثبوت ، والحضور سواء كان بنفسه أو بمثاله وبالمغايرة المستفادة من الظرفية أعم من الذاتية والاعتبارية وبقي معنى عندكما اختاره المحقق الدّوّاني « 1 » ، ولا يخفى ما فيه من التكلفات البعيدة عن الفهم ، وإن جعل التعريف للحصولي كان التعريف على ظاهره .
والمراد بالعقل قوة للنفس تدرك الغائبات بنفسها ، والمحسوسات بالوسائط . وبصورة الشيء ما يكون آلة لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيء أو شبحا له والظرفية على الحقيقة .
اعلم أن القائلين بأن العلم هو الصورة فرقتان :
فرقة تدّعي وتزعم أن الصور العقلية مثل وأشباح للأمور المعلومة بها مخالفة لها بالماهية . وعلى قول هؤلاء لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز . كأن يقال مثلا : النار موجودة في الذهن ، ويراد به يوجد فيه شبح له نسبة
هامش
( 1 ) هو محمد بن أحمد - وقيل : أسعد - الدواني الصديقي المتوفى سنة 918 ه . انظر هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي ( 2 / 224 ) .