ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون ، حتى أربوا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين . ولما تناقص عمرانها وابذعرّ سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة ، وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام .
ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين ، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم ، وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا . وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته ، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم بنظر عليها أو نصيب منها ، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال ، فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد . وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها ، وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ، ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها واللّه يخلق ما يشاء وهو العليم الحكيم .
* * *
أبجد العلوم — صفحة 128
مساهمون: صديق الحسيني القنوجي البخاري
ص١٢٨