والشيخ زين العابدين المازندراني الحائري والميرزا حسين ابن الميرزا خليل
الطهراني والسيد كاظم اليزدي وغيرهم لكن جمهور الناس كان مقلدا له .
وبلغ من الرئاسة وجلالة الشأن مبلغا لم يكن لاحد من الامراء
والملوك في أيامه . وجبيت اليه الأموال من أقصى الصين وما وراء النهر فما
دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده
عقارا ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم
جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم في آرائه وافر العطاء
ينفق الأموال في وجوهها ويعول ألوفا من الناس في سائر البلاد منهم
أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء وله وكلاء في الأطراف يرسل
إليهم دفاتر بأسماء العلماء الذين في نواحيهم ليبثوا فيهم العطاء وله عناية
بالمجاورين في المشاهد الشريفة ويعول سرا جماعات من أهل البيوتات ومن
التجار اخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون ان يعلم بذلك أحد فلما توفي
فقدوا ذلك وضاقت بهم الحال ووصفه كثير ممن ترجموه أو ذكروا اسمه في
مؤلفاتهم بالمجدد مشيرين بذلك إلى الحديث المعروف إن الله يبعث لهذه
الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها . وألف الشيخ آقا بزرگ
الطهراني كتابا مستقلا في ترجمته .
مبدأ امره وكيفية تحصيله ومنتهى امره
نشا في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الامر في ديوان دولة
فارس في شيراز ثم ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعد ما
قرأ العلوم الآلية وشطرا من السطوح واستغنى عن القراءة في شيراز خرج
إلى أصفهان سنة 1248 أو 1243 وهي دار العلم يومئذ فقرأ على الشيخ
محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة
اختص بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما
يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضا وأكثر اخذه
عن المدرس .
ثم توجه إلى العراق فورد النجف سنة 1259 وكان عازما على
الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنه لما ورد النجف
ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة اليه وحضر درسه وجد نفسه
محتاجا إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف .
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه ونص على
اجتهاده في كتاب كتبه إلى والي فارس ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن
الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي
التستري وسمع في كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته
ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى
سنة 1281 التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو 22 سنة فقها وأصولا واكب
على النظر في مطالبه ففهمها وحذقها وتوغل فيها وزاد عليها حتى صار من
أشهر المدرسين والمقرئين وتهافت عليه الناس وكان من وجوه تلاميذه بل
أوجهم وصار يشار اليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس
الدرس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم
في أثناء الدرس يصغي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت قائلا ان جناب
الميرزا يتكلم وأشار غير مرة إلى اجتهاده لأنه لم يكن يصرح باجتهاد أحد كما
يقال كما أنه كان يعظم شيخه الأنصاري كلما ذكر .
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع
أفاضل تلاميذه من العرب والعجم في دار الميرزا حبيب الله الرشتي قال
الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي المترجم
وكان بينهم يومئذ الآقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي
والميرزا الرشتي والآشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس
والصلاة وصاروا يرشدون الناس اليه وجعل يترقى ويتقدم .
اما الترك فقدموا السيد حسين الكوهكمري المعروف بالسيد حسين
الترك وأرشدوا أبناء جلدتهم إلى تقليده .
ما جرى له مع الشاه ناصر الدين .
في سنة 1287 زار الشاه ناصر الدين القاجاري العتبات المقدسة في
العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلما قصد الشاه كربلاء
خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب
ومضى ولما ورد النجف الأشرف خرج أيضا لاستقباله علماؤه بعضهم إلى
خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ
من النجف فسلم عليهم راكبا أيضا ومضى فلما دخل النجف حضر جميع
العلماء لزيارته الا المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى كل واحد
مبلغا من النقود فقبله وارسل إلى المترجم فلم يقبل فأرسل الشاه وزيره حسن
خان اليه يعاتبه ويطلب منه ان يزوره فأبى فقال له الوزير لا يمكن ان يجئ
ملك إيران إلى النجف ولا يراك فهل تترقب ان يجئ الشاه لزيارتك فقال
له انا رجل درويش ما لي وللملوك فقال هذا لا يمكن ولما ألح عليه قال
اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك وصافحه الشاه وقال
له تفضل وزر لنزور بزيارتك فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا
وزادت منزلة المترجم بذلك علوا عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك
أول ما ظهر من مخايل كياسته وبعد نظره في الأمور .
ادراره العطاء وحجه
ولما كانت سنة 1288 صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد
فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتى
جاء الرخاء . وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد .
هجرته إلى سامراء
خرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة 1291
ووصلها في 21 منه وأمضى فيها 21 سنة .
سبب هجرته إليها
قيل إن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة 1288 وصار
يدر العطاء على أهلها كما مر ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون
الطلب عليه وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر
الناس منه فتضايق من ذلك وخرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291 ثم
توجه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة واقام فيها أياما
هامش
( 1 ) يراد بالعلوم الآلية النحو والصرف وعلوم البلاغة والمنطق ونحوها وبالسطوح القراءة على
الشيوخ في الكتب المقتصر فيه على تفسير عبارة الكتاب ويقابلها قراءة الخارج وهي الدروس
التي لا تكون في كتاب مخصوص بل يلقي الشيخ مسائل العلم على الترتيب ويحقق كل مسألة
على حيالها ويستدل عليها ويرد المردود من الأقوال والأدلة فيها ويناقشه التلاميذ فيها ويبدي
كل رأيه وهكذا - المؤلف - .