سبكتكين التركي وأنفذ عهدا من المطيع لله لركن الدولة بخراسان فلما
صاروا بالدينور خالف الديلم على سبكتكين وكبسوه ليلا فركب فرس النوبة
ونجا واجتمع عليه الأتراك فعلم الديلم أن لا قوة لهم به فعادوا إليه
وتضرعوا فقبل عذرهم وكان ركن الدولة قد شرع مع المرزبان في المخادعة
وأعمال الحيلة فكتب إليه يتواضع له ويعظمه ويسأله أن ينصرف عنه على
شرط أن يسلم إليه ركن الدولة زنجان وأبهر وقزوين وترددت الرسل في
ذلك إلى أن وصله المدد من معز الدولة وعماد الدولة وأنفذ له الحسن بن
الفيرزان عسكرا مع محمد بن ما كان فلما كثر جمعه قبض على جماعة ممن
كان يتهمهم من قواده وسار إلى قزوين فعلم المرزبان عجزه عنه وأنف من
الرجوع فالتقيا وانهزم عسكر المرزبان وأخذ أسيرا وحمل إلى سميرم فحبس
بها وعاد ركن الدولة . وفي سنة 338 مات عماد الدولة بشيراز وأوصى إلى
عضد الدولة ابن ركن الدولة فاستقر بشيراز واختلف إليها أصحابه فكتب
معز الدولة إلى وزيره الصيمري وكان يحارب عمران بن شاهين أن يترك
محاربته ويسير إلى شيراز ففعل ووصل ركن الدولة أيضا واتفقا على تقرير قاعدة
عضد الدولة واستخلف ركن الدولة على الري علي بن كأمة من أعيان
أصحابه ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه بإصطخر
فمشى حافيا حاسرا ومعه العساكر ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد
الأكابر ليرجع إلى المدينة فرجع وأقام تسعة أشهر وأنفذ إلى أخيه معز الدولة
شيئا كثيرا من المال والسلاح وغيرهما وكان عماد الدولة في حياته هو
أمير الأمراء فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الامراء . وفي سنة 339 في
صفر سار منصور بن قراتكين من نيسابور إلى الري أمره الأمير نوح بذلك
وركن الدولة ببلاد فارس فوصل منصور إلى الري وبها علي بن كأمة خليفة
ركن الدولة فسار عنها إلى أصبهان ودخل منصور الري وفرق العساكر في
البلاد فملكوا بلاد الجبل إلى قرميسين وأزالوا عنها نواب ركن الدولة فبلغ
الخبر ركن الدولة وهو بفارس فكتب إلى أخيه معز الدولة يأمره بانفاذ عسكر
يدفع تلك العساكر عن النواحي المجاورة للعراق فسير سبكتكين الحاجب
مع عسكر ضخم من الأتراك والديلم والعرب فخلف سبكتكين أثقاله
وأسرى جريدة إلى من بقرميسين من الخراسانيين فكبسهم وهم غارون فقتل
وأسر مقدمهم من الحمام واسمه بجكم فانفذه مع الأسرى إلى معز الدولة
فحبسه مدة ثم أطلقه واجتمع الخراسانية بهمذان فقصدهم سبكتكين
ففارقوها ودخلها سبكتكين حتى ورد عليه ركن الدولة في شوال وسار منصور
من الري في العساكر نحو همذان وبها ركن الدولة فلما صار بينهما مقدار
عشرين فرسخا عدل منصور إلى أصبهان ولو قصد همذان لانحاز ركن
الدولة عنه وكان ملك البلاد بسبب اختلاف كان في عسكر ركن الدولة
ولكنه عدل عنه لأمر يريده الله تعالى وتقدم ركن الدولة إلى سبكتكين بالمسير
في مقدمته فلما أراد المسير شغب عليه الأتراك مرة بعد أخرى فقال ركن
الدولة هؤلاء أعداؤنا معنا والرأي أن نبدأ بهم فواقعهم واقتتلوا فانهزم
الأتراك وبلغ الخبر معز الدولة فكتب إلى ابن أبي الشوك الكردي وغيره
يأمرهم بطلبهم والايقاع بهم فطلبوهم وأسروا منهم وقتلوا ومضى من سلم
منهم إلى الموصل وسار ركن الدولة إلى أصبهان ووصلها ابن قراتكين فخرج
من كان بها من أصحاب ركن الدولة وأهله وأسبابه وركبوا الصعب والذلول
حتى البقر والحمير وبلغ كراء الثور والحمار إلى خان لنجان مائة درهم وهي
على تسعة فراسخ من أصبهان فلم يمكنهم مجاوزة ذلك الموضع ولو سار
إليهم منصور لغنمهم وأخذ ما معهم وملك ما وراءهم إلا أنه دخل أصبهان
وأقام بها ووصل ركن الدولة فنزل بخان لنجان وجرت بينهما حروب عدة
أيام وضاقت الميرة على الطائفتين وبلغ بهم الأمر إلى أن ذبحوا دوابهم ولو
أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل ولكنه تعذر عليه ذلك واستشار وزيره أبا
الفضل بن العميد في بعض الليالي في الهرب فقال له لا ملجا لك إلا الله
تعالى فانو للمسلمين خيرا وصمم العزم على حسن السيرة والاحسان إليهم
فان الحيل البشرية كلها تقطعت بنا وإن انهزمنا تبعونا وأهلكونا وهم أكثر
منا فلا يفلت منا أحد فقال له قد سبقتك إلى هذا فلما كان الثلث الأخير من
الليل أتاهم الخبر أن منصورا وعسكره قد عادوا إلى الري وتركوا خيامهم
وكان سبب ذلك أن الميرة والعلوفة ضاقت عليهم أيضا إلا أن الديلم كانوا
يصبرون ويقنعون بالقليل من الطعام وإذا ذبحوا دابة أو جملا اقتسمه الخلق
الكثير منهم وكان الخراسانية بالضد منهم لا يصبرون ولا يكفيهم القليل
فشغبوا على منصور واختلفوا وعادوا إلى الري فكان عودهم في المحرم سنة
340 فاتى الخبر ركن الدولة فلم يصدقه حتى تواتر عنده فركب هو وعسكره
فاحتوى على ما خلفه الخراسانية . حكى أبو الفضل بن العميد قال
استدعاني ركن الدولة تلك الليلة الثلث الأخير وقال لي قد رأيت الساعة في
منامي كأني على دابتي فيروز وقد انهزم عدونا وأنت تسير إلى جانبي وقد
جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب فمددت عيني فرأيت على الأرض خاتما فاخذته
فإذا فصه فيروزج فجعلته في إصبعي وتبركت به وانتبهت وقد أيقنت بالظفر
فان الفيروزج معناه الظفر ولذلك لقب الدابة فيروز قال ابن العميد فاتى
الخبر والبشارة بان العدو قد رحل فما صدقنا حتى تواترت الأخبار فركبنا ولا
نعرف سبب هزيمتهم وسرنا حذرين من كمين وسرت إلى جانب ركن الدولة
وهو على فرسه فيروز فصاح ركن الدولة بغلام بين يديه ناولني ذلك الخاتم
فاخذ خاتما من الأرض فناوله إياه فإذا هو فيروزج فجعله في إصبعه وقال
هذا تأويل رؤياي هذا الخاتم الذي رأيت منذ ساعة وهذا من أحسن ما
يحكى وأعجبه . وقال في حوادث سنة 341 فيها سار ركن الدولة من
الري إلى طبرستان وجرجان فسار عنها وشمگير إلى ناحية نسا وأقام بها
واستولى ركن الدولة على تلك البلاد وعاد عنها إلى الري واستخلف
بجرجان الحسن بن فيرزان وعلي بن كأمة فلما رجع ركن الدولة عنها قصدها
وشمگير فانهزموا منه واستردها وشمگير . وقال في حوادث سنة 342 فيها
هرب ديسم بن إبراهيم عن أذربيجان وكان قد استولى عليها وسبب هربه
أن ركن الدولة كان قد قبض على بعض قواده واسمه علي بن ميسكي
فأفلت من الحبس وقصد الجبل وجمع جمعا وسار إلى وهسوذان أخي المرزبان
فاتفق معه وتساعدا على ديسم فانهزم ديسم إلى أرمينية ثم هرب عن
أرمينية إلى بغداد فأكرمه معز الدولة ثم كاتبه أهله وأصحابه بأذربيجان
يستدعونه فرحل عن بغداد سنة 343 وطلب من معز الدولة أن ينجده
بعسكر فلم يفعل لأن المرزبان قد كان صالح ركن الدولة وصاهره فلم
يمكن معز الدولة مخالفة ركن الدولة . وفي سنة 342 كتب الأمير نوح إلى
أبي علي بن محتاج يأمره بالمسير في جيوش خراسان إلى الري وقتال ركن
الدولة فسار أبو علي في جيوش كثيرة ومعه وشمگير إلى الري في ربيع الأول
من هذه السنة وبلغ الخبر ركن الدولة فعلم أنه لا طاقة له بمن قصده فرأى
أن يحفظ بلده ويقاتل عدوه من وجه واحد فحارب الخراسانيين بطبرك وأقام
عليه أبو علي عدة شهور يقاتله فلم يظفر به وهلكت دواب الخراسانية
وأتاهم الشتاء وملوا فاضطر أبو علي إلى الصلح فتراسلوا في ذلك فتصالحا
وتقرر على ركن الدولة كل سنة مائتا ألف دينار وكتب وشمگير إلى الأمير
أعيان الشيعة — صفحة 30
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٣٠