من علم ، وأنزر نصيب من عرفان ، وأحقر حصّة من فهم ، لأنها قصر للتفضّل الإلهيّ ، والفيض الربانيّ على بعض العباد دون البعض ، وعلى أهل عصر دون عصر ، وأبناء دهر دون دهر بدون برهان ولا قرآن .
على أن هذه المقالة المخذولة ، والحكاية المرذولة تستلزم خلوّ هذه الأعصار المتأخّرة عن قائم بحجج اللّه ومترجم عن كتابه وسنّة رسوله ، ومبيّن لما شرعه لعباده ، وذلك هو ضياع الشريعة بلا مرية ، وذهاب الدّين بلا شكّ ، وهو تعالى قد تكفّل بحفظ دينه ، وليس المراد حفظه في بطون الصّحف والدفاتر ، بل إيجاد من يبيّنه للناس في كل وقت وعند كل حاجة .
ولهذا فقد حدا ذلك بالإمام الشوكاني - كما يضيف - :
« إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم مما بلغني خبره إلى عصرنا هذا ، ليعلم صاحب تلك المقالة أنّ اللّه - وله المنّة - قد تفضّل على الخلف كما تفضّل على السّلف ، بل ربّما كان في أهل العصور المتأخّرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلميّة على اختلاف أنواعها من يقلّ نظيره من أهل العصور المتقدمة ، كما سيقف على ذلك من أمعن النّظر في هذا الكتاب ، وحلّ عن عنقه عرا التقليد ، وقد ضممت إلى العلماء من بلغني خبره من العبّاد ، والخلفاء ، والملوك ، والرؤساء ، والأدباء ، ولم أذكر منهم إلا من له جلالة قدر ، ونبالة ذكر ، وفخامة شأن ، دون من لم يكن كذلك . . . » « 1 » .
* * * إننا إزاء عالم ومؤرّخ من طبقة متميزة ، أتاحت له معارفه الواسعة في كل شعب الثقافة العربية الإسلامية التي استوعبها وألف فيها جميعا « 2 » أن يكتب أو
هامش
( 1 ) مقدمة البدر الطالع : ص 35 - 36 .
( 2 ) انظر « مؤلفات الإمام الشوكاني » وهي ضمن ترجمته ص 16 - 19 .