تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
سنة 792 اثنتين وتسعين وسبعمائة بالقاهرة وأحضره والده على جماعة من الشيوخ ورحل به إلى دمشق فأحضره بها على أعيان علمائها . ثم لما عاد من الرحلة إلى مصر اجتهد في استيفاء شيوخ الديار المصرية وأخذ عمن دبّ ودرج . وكتب الطباق وضبط الأسماء ، وتدرّب بوالده في الحديث وفنونه ، وكذا في غيره [ 33 ] من فقه وأصول وعربية ومعان وبيان . وبرع في جميع ذلك ، وشارك في غيرها من الفضائل . وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس . واستمر يترقّى لمزيد ذكائه حتى ساد ، وأبدأ وأعاد ، وظهرت نجابته ونباهته ، واشتهر فضله ، وبهر عقله مع حسن خلقه وخلقه ، وشرف نفسه وتواضعه ، وانجماعه وصيانته ، وديانته وأمانته ، وعفّته ، وضيق حاله وكثرة عياله . ودرّس وهو شابّ في حياة أبيه . وقال أبوه في دروسه :
دروس أحمد خير من دروس أبه * وذاك عند أبيه منتهى أربه
ولما توجّه والده لقضاء المدينة وخطابتها ، قام بجميع وظائفه إلا مشيخة دار الحديث فإنه انتزعها منه شيخه ابن الملقّن ، فتحرك لمعارضته ثم سكّنه بعض مشايخه فسكن . ثم أضيفت إليه جهات أبيه بعد موته فزادت رئاسته ، وانتشرت في العلوم وجاهته ، وأضيف إليه في بعض الأوقات قضاء منوف ، وناب في القضاء عن العماد الكركي نحو عشرين سنة ؛ ثم ترفّع عن ذلك وفرّغ نفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف . إلى أن خطبه الطاهر ططر بغير سؤال إلى قضاء الديار المصرية في منتصف شوال سنة ( 824 ) مع وجود السّعاة فيه بالبذل . وذلك عقب موت الجلال البلقيني بأربعة أيام . فسار فيه أحسن سيرة بعفة ونزاهة ، وحرمة وصرامة ، وشهامة ومعرفة . وكان يحضّ أصحابه على الاهتمام بإجابة من يلتمس منهم الشفاعة عنده عملا بالسنة . وقام عليه جماعته حتى ألزموه بتفضيل الرفيع من الثياب ، وقرّروا له أن في ذلك قوة في الشرع وتعظيما للقائم به . وإلا فلم يكن عزمه التحول عن جنس لباسه من قبل ، واستمر حتى صرف ، لتصميمه على الحق ، وعدم مداراته لأهل الدولة ، في أمور لا يحتملونها ، حتى شق ذلك
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع — صفحة 103 | محمد بن علي الشوكاني