حتّى إذا اتّفقت نفسي ونفسك في * هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك
وأرسلها إلى عنان فشكرته على صدق محبّته لها . ونظير ذلك ما حكي : أنّ مجنون ليلى « 1 » كان جالسا عند جماعة من قومه ، فلم يشعر إلّا والدّم يجري على محلّ الفصد ، وذلك بغير مبضع فتعجّب النّاس منه . ثمّ انقطع فسأل عن ذلك ، فقيل : إنّ ليلى قد فصدت وهي في حيّها ، ولمّا قطعته ، انقطع دم المجنون ، واللّه أعلم . وهذا يدلّ على صدق المحبّة ، وأمّا في زماننا هذا فكثير من يعشق الصّبح ، ويواصل الظّهر ، ويسلو « 2 » العصر ، ثمّ يعشق غير محبوبه ، وأمّا مجنون ليلى فقلّما يوجد مثله .
روى المرزباني : أنّ المجنون خرج مع أصحابه يوما ليمتار « 3 » من وادي العزّى فمرّ بجبل « 4 » نعمان ، وقد كانت ليلى تنزله ، وهما جبلان ، فسأل المجنون أصحابه « 5 » : أيّ ريح تهبّ من نحو أرضها ؟ فقالوا : الصّبا . فقال : واللّه لا أبرح حتّى تهبّ الصّبا ، فأقام في ناحية الجبل ، ومضى « 6 » أصحابه وامتاروا لهم وله ، ثمّ عادوا إليه فحبسهم حتّى هبّت الصّبا ، وسار معهم ، وأنشد يقول :
أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها
أجد بردها أو تشفّ منّي حرارة * على كبد لم يبق « 7 » إلّا صميمها
فإنّ الصّباريح إذا ما تنسّمت * على نفس مهموم تجلّت همومها
هامش
( 1 ) الأرجح أنه قيس بن الملوح العادي ، وقيل : قيس بن معاذ ، أما سبب تسميته بالمجنون فلأنه جن بليلاه فعلا ، وذكر الأصمعي سببا آخر هو أنه كان مصابا بلوثة ، ومنهم من ردّ سبب تلقيبه بالمجنون إلى ورود لفظة الجنون كثيرا في شعره .
( 2 ) في الأصل ( يسلي ) .
( 3 ) في المطبوعة ( ليمتاز ) .
( 4 ) في الأصل ( بخيل ) .
( 5 ) في الأصل ( من أصحابه ) .
( 6 ) في الأصل ( ومضوا ) .
( 7 ) في الأصل ( يبقى ) .