منتقى ، وقد رقى في درج العلا حتى لم يجد مرتقى . فالكون به متألق ، والأمل بأدبه متعلق . وله قدم في الأدب عاليه ، والمسامع بآثاره البهية حالية . تسهّل له من البراعة ما تصعّب فلكه ، وتوضح له من مشكلاتها ما تشعب حتى سلكه . وقد صحبته في الروم وطريقها في الرجعة ، فحمدت اللّه حيث سهل لي أمر هذه النجعة . فاجتنيت من مفاكهته روضا أنفا ، وعلّقت في جيد أدبي وأذنه قلائد وشنفا . وأنا وإن كنت لم أتعرض في الأصل لذكره . فإني لم أكتب عنه شيئا من تحائف شعره ، وقد ورد عليّ الآن له روائع بدائع ، فكأنّها من جملة ما كان لي في ذمة الدهر من ودائع . فدونك منها جملة الإحسان . وكأنما دعي الحسن فلبّاه الاستحسان . انتهى مقاله فيه .
وقوله لم أتعرض في الأصل إلى آخره ، مراده أنه لم يذكره في النفحة من جملة الأدباء الحلبيين الذين ترجمهم في باب مخصوص في نفحته .
ومن شعره قوله :
فؤاد به نار الغضا تتوقّد * وطرف يراعي الفرقدين مسهّد
ودرّ دموع في الخدود منظّم * له اللؤلؤ المنظوم عقد مبدّد
ووجد بسمّار اللواحظ أغيد * يقيم عذولي بالغرام ويقعد
من الروم رام من كنانة جفنه * سهاما فيا للّه سهم مسدّد
يميس به غصن من القد أصله * يكاد بأنفاس الصبا يتأوّد
عليه قلوب العاشقين تبلبلا * فتصدح أحيانا وحينا تغرد
وله معارضا قصيدة جعفر ابن الجرموزي التي مطلعها :
ما غرّد بلبل وغنى * إلا أضلّني وعنّى
بقوله :
عاوده وجده فحنّا * وشفّه داؤه فأنّا
وأبرز الدمع بين صبّ * من قبل أن كان مستكنّا
فعاد ظن الهوى يقينا * فيه وكان اليقين ظنّا
ويلاه من عاذل غبيّ * قد لجّ في عذله وجنّا
يسومني سلوة وأنّى * يسلو عن العشق من تعنّى
وبي مليح لو لاح ليلا * لبدره التمّ لاستكنّا
غصن يعير الغصون لينا * بدر يعير البدور حسنا
إذا تجلى رأيت شمسا * وإن تثنى رأيت غصنا